تراجعت المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة العمومية بالجديدة،
في سابقة خطيرة، عن فتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء السل
بالمستشفى المحلي بأزمور.
ويأتي هذا التراجع
المثير للجدل، الذي تضعه "الجديدة24" وحيثياته وخلفياته، "الظاهرة
والمعلنة"، تحت المجهر، في أقل من 24 ساعة عن القرار الذي اتخذته المديرية
الجهوية لوزارة الصحة العمومية بجهة الدارالبيضاء–سطات، بفتح مصلحة الأمراض
التنفسية وعلاج داء السل بالمستشفى المحلي بأزمور.
هذا، وكان
المندوب الإقليمي السابق لوزارة الصحة بالجديدة، اتخذ، سنة 2017، قرارا مثيرا، يقضي بإغلاق المستشفى الإقليمي للأمراض
الصدرية "سيدي العياشي"، المعروف بمستشفى "بلعياشي"، الكائن بتراب الجماعة
القروية ”سيدي علي بن حمدوش”، على بعد أقل من 3 كيلومترات شمال مدينة أزمور.
قرار
بفتح مصلحة علاج داء السل:
أصدرت المديرية
الجهوية لوزارة الصحة بلاغا صحفيا عممته،
الجمعة 05 يناير 2018، تنويرا للرأي العام الوطني والمحلي، على وسائل الإعلام،
ضمنها "الجديدة24" التي أدرجته، فور التوصل به، في مقال صحفي تحت عنوان:
"وحدتان استشفائيتان للأمراض التنفسية وداء السل بالجديدة وأزمور".
ومما جاء في
بلاغ المديرية الجهوية أن: "إقليم الجديدة يتوفر، على غرار جميع عمالات
وأقاليم جهة الدارالبيضاء–سطات، على وحدة استشفائية للأمراض التنفسية وداء السل
بالمستشفى الإقليمي محمد الخامس، حيث يرقد حاليا ثلاث مرضى يتلقون العلاج. وفي
السياق ذاته، وبغاية تقريب الخدمات الصحية من ساكنة أزمور، التي تعرف ارتفاعا في
نسبة الإصابة بهذا المرض، فقد تقرر فتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء السل
بالمستشفى المحلي بأزمور، تستجيب للمعايير الاستشفائية لاستقبال المرضى. ما
سيمكنهم من العلاج في أحسن الظروف.".
قرار
بإلغاء قرار فتح المصلحة الصحية:
في الوقت الذي
لم يجف فيه حتى المداد الذي كتب به "أسود على أبيض" بلاغ المديرية
الجهوية، والمادة الصحفية المواكبة له، التي نشرتها "الجديدة24" على
أعمدة موقعها الإلكتروني، إذا بالمندوبة الإقليمية بالجديدة تخرج، في اليوم ذاته،
الجمعة 05 يناير 2018، ببلاغ صحفي ثان، تتراجع
بموجبه عن القرار الأول، الذي اتخذته المديرية الجهوية بجهة الدارالبيضاء–سطات.
قراران
رسميان متناقضان:
إن وزارة الصحة العمومية تكون أصدرت، من خلال
مديريتها الجهوية ومندوبيتها الإقليمية، في أقل من 24
ساعة، قرارين متناقضين شكلا وجوهرا وتبريرا.
فالقرار
الأول بفتح المصلحة الصحية في مستشفى أزمور، عللته، من باب التذكير، وحسب نص بلاغ المديرية الجهوية،
كالتالي: ".. بغاية تقريب الخدمات الصحية من ساكنة أزمور،
التي تعرف ارتفاعا في نسبة الإصابة بهذا المرض (داء السل).. تستجيب للمعايير
الاستشفائية لاستقبال المرضى. ما سيمكنهم من العلاج في أحسن الظروف.".
أما القرار الثاني، فقد جاء في خلاصته المضمنة
في الفقرة الأخيرة، ما يلي: ".. بعد
استشارة المديرية الجهوية للصحة، تقرر عدم فتح مصلحة الأمراض التنفسية وعلاج داء
السل بمستشفى أزمور، والإبقاء على الوحدة الموجودة بالمستشفى الإقليمي
بالجديد".
داء
"السل".. التعريف:
قبل الخوض في أصل مشكل الأزمة، وتأزم وتأزيم الوضع
بأزمور، لا بد من التعريف بداء "السل" (la
tuberculose). فهو مرض ناتج عن جرثومة
''كوخ''، يصيب الرئة أو أعضاء أخرى في الجسم (العقد اللمفاوية، العظام، المخ،
الجلد..)، مع العلم أن السل الرئوي وحده المعدي. حيث إن انتقال هذا المرض من شخص
إلى آخر، يتم عن طريق خروج رذاذ من الشخص المصاب، عند عطسه أو سعاله دون وضع منديل
أو اليد أمام أنفه أو فمه، وذلك في مكان مغلق، يفتقد أدنى شروط التهوية والتشميس،
مع التواجد الدائم مع المريض.
البرنامج
الوطمي لمكافحة السل:
انسجاما مع
البرنامج الوطني لمكافحة داء السل، تتكفل وزارة الصحة مجانا بجميع المرضى المصابين
بهذا المرض دون استثناء، من بداية التشخيص، وتوفير الأدوية، إلى العلاج الكامل، في
جميع المراكز الصحية والمستشفيات الإقليمية، مع العلم أن 3 إلى 5 بالمئة فقط من
الحالات، هي التي تستوجب الاستشفاء. فالتعافي من المرض، مؤكد، شريطة التزام المريض
بتناول الدواء بصفة منتظمة. كما يتماثل المصابون للشفاء ابتداء من الأسبوع الثالث
من بداية العلاج. حيث إن مدة العلاج والقضاء على الداء، تتراوح
ما بين6 أشهر وسنة.
أصل
المشكل.."سبيطار بلعياشي":
لوضع
القرارين الرسميين المتناقضين، القاضيين على التوالي بفتح المصلحة الصحية المختصة
بمستشفى أزمور، وبالتراجع عن فتحها، تحت
المجهر، لا بد من استحضار أصل المشكل الذي
تم استغلاله لتأزيم الوضع بأزمور، وللدفع بالساكنة، بعض منها، للتظاهر في الشارع
العام.. والذي يكمن في إغلاق مستشفى "بلعياشي".
مستشفى
"بلعياشي".. عبر التاريخ:
لقد كان في
الأصل مستشفى "يلعياشي" ثكنة عسكرية، بناها الاحتلال الفرنسي، سنة 1919، على
مساحة تناهز 17 هكتارا، على أرض في ملكية المسمى (العياشي)، قبل أن تتحول إلى مركز للعجزة والمعطوبين من الفرنسيين، إبان الحماية الفرنسية. وكانت بالمناسبة (مادام كيري) ضمن المشرفات على عملية الطبخ بالمركز.
وبعد أن حصل المغرب على
استقلاله، أغلق هذا المركز.. وحوله بتاريخ: 04 أبريل 1964، إلى مستشفى، يستقبل
المرضى من مختلف مناطق المملكة. وقد كان الدكتور (إيفاص جواو) أول من عمل طبيبا في هذا المركز الاستشفائي.
وقد حظي مستشفى بلعياشي إقليميا ووطنيا بصدى كبير، لما كان يوفره لحاملي
داء السل من عناية خاصة، من تطبيب، وتلقي الأدوية ومراقبة وتغذية وراحة.. إلا أن تفاجأ
الجميع بقرار إغلاقه، سنة 2017، وبإلحاق
المرضى بالمستشفى المحلي بأزمور.
وكان مستشفى "بلعياشي"، ذو طاقة
استيعابية تصل حد 80 سريرا، يستقبل أكبر نسبة من المصابين بداء السل، الناتج عن جرثومة
''كوخ''، منه غير المعدي (M-)، الذي يصيب جميع الأعضاء في جسم الإنسان (العقد
اللمفاوية، العظام، المخ، الجلد..)، وكذلك
المعدي (M+)، السل الرئوي، الذي ينتقل من شخص إلى
آخر، عن طريق خروج رذاذ من الشخص المصاب، عند عطسه أو سعاله دون وضع منديل أو اليد
أمام أنفه أو فمه، في مكان مغلق، يفتقد أدنى شروط التهوية والتشميس، مع التواجد
الدائم مع المريض.
والجدير بالذكر أن 800 حالة إصابة بداء السل، يتم تسجيلها سنويا بإقليم
الجديدة، من أصل 30000 حالة إصابة، تنضاف سنويا في المغرب.
و"تعرف
ساكنة أزمور ارتفاعا في نسبة الإصابة بهذا المرض"،
حسب بلاغ المديرية الجهوية لوزارة الصحة بجهة الدارالبيضاء–سطات، الذي عممته،
الجمعة 05 يناير 2018، على وسائل الإعلام، ضمنها "الجديدة24".
وبالمناسبة، فقد وقفت الجريدة على واقع مستشفى "بلعياشي"، الذي شيد في مكان
معزول عن الساكنة، حوالي أقل من 3 كيلومترات شمال مدينة أزمور.. على الطريق الساحلية، الرابطة بين أزمور والدارالبيضاء. وقد كان يستجيب، قبل قرار إغلاقه، لجميع شروط ومعايير الاستقبال
والتطبيب والعلاج، داخل قسمين خاصين بالمصابين
من الجنسين، سيما بداء السل الرئوي، المصنف مرضا معديا (M+).
فبنايته وبنيته التحتية مازالت صالحة، ناهيك
عن جمالية معمارها، وعن
توفره على قاعات كبيرة للعلاج والاستشفاء، ذات طاقة استيعابية تصل حد 80 سريرا،
وتخضع للتهوية والتشميس.. وسط غابة كثيفة من أشجار "الأوكلبتيس" (l’eucalyptus)، التي تكسو مساحة تناهز 17 هكتارا، كما يظهر في
الفيديو رفقته.
وكان يعمل لدى هذا المستشفى طاقم صحي مؤهل،
يتوزع ما بين طبيبة أخصائية، و7 ممرضين، من هم من زاول بهذا "السبيطار"
مدة 30 سنة. ما كان يوفر أجود الخدمات الصحية، في أحسن الظروف، وبالتالي، هذا ما
كان يكرس فعلا على أرض الواقع سياسة القرب المتوخاة.
الإغلاق.. قرار متسرع:
اتخذ المندوب الإقليمي السابق لوزارة الصحة
بالجديدة، السنة الماضية، قرارا مثيرا للجدل، بإغلاق مستشفى "بلعياشي"، وتحييده عن العمل، وشله عن تقديم الخدمات
الصحية. قرار قد تم، بغض النظر عن ظروفه وتبريراته، دون اتخاذ الترتيبات اللازمة، والتحضير المسبق،
بالاستعانة بخبراء صحيين، لضمان انتقال سلس من ذلك المستشفى، إلى وحدة استشفائية
متخصصة، سواء أكانت في مدينة أزمور، أو في أي مكان بتراب إقليم الجديدة.. على غرار
الانتقال السلس الذي عرفه المستشفى الإقليمي بالجديدة، قبل نقله وتشغيله رسميا
الخميس 19 دجنبر 2013، إلى مقره الجديد. انتقال سلس تطلب ما يناهز السنتين، بغية تدبير
وتدبر تجهيزاته ومعداته وموارده البشرية، الإدارية والصحية.
أي تقريب للخدمات الصحية؟!:
عمدت وزارة الصحة العمومية، في عهد الوزير
الأسبق، محمد الشيخ بيد الله، إلى بناء مستشفى إقليمي بالجديدة، في إطار ما سمي ب"مستشفيات الجيل
الجديد"، ومستشفي محلي بأزمور، ومستشفى محلي بالزمامرة، بإقليم سيدي بنور، الذي
أصبح إقليما مستقلا، بعد أن خرج، سنة 2009، من رحم تراب إقليم الجديدة.
غير أن سيدي بنور والزمامرة وأزمور، رغم توفرها على مستشفى إقليمي ومستشفيين محلييين،
مازالت هذه المدن، والجماعات الترابية
التابعة لها، تصرف مشاكلها الصحية، على
حساب المستشفى الإقليمي بالجديدة. حيث تحيل مرضاها ومصابيها على قسم الإنعاش.. والنساء
الحوامل، للوضع في قسم الولادة.. ولا تستثنى في ذلك حتى جثت الموتى والقتلى، التي تحال
على مستودع حفظ الأموات، لإخضاعها للتشريح الطبي أو الفحص الخارجي (..).
هذا، ويستشف بالواضح والملموس أن برنامج بناء
مستشفيات محلية بإقليمي الجديدة وسيدي بنور،
تجسيدا لأهداف "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، قد أعطى
نتائج سلبية، عكس ما كانت وزارة الصحة خططت له، وما كانت تطمح إلى تحقيقه، والغايات
التي كانت حددتها، والتي تكمن نظريا أو على الورق، في الرقي بجودة التغطية الصحية،
والخدمات الطبية لساكنة إقليمي الجديدة وسيدي بنور، وإرساء عرض صحي قريب، متوازن
وموزع بشكل جيد، وكذا، إنعاش أقطاب وسيطة للتنمية الصحية، إلى جانب تعزيز
اللاتمركز، والمساهمة في إنعاش التنمية المحلية، وتخفيف الضغط عن المستشفى الإقليمي
بالجديدة.
وقد كشف الواقع "الكارثي" للخدمات
الصحية المتدنية، أن المستشفى الإقليمي بسيدي بنور، والمستشفيين المحليين
بالزمامرة وأزمور، لم يحققوا البتة الاستقلالية المتوخاة، وأن تبعيتهم مازالت
قائمة للمستشفى الإقليمي بالجديدة.. وأن الوعود "الوردية"، التي قطعها
على أنفسهم، القائمون على الشأن الصحي، ما هي إلا مجرد خطابات فضفاضة وجوفاء.
خلفيات
ومغالطات وتكتم:
كانت الغاية
من خلق مستشفى محلي بأزمور، وتجهيزه بالمعدات الصحية، وتوفير الموارد البشرية، من
أطقم صحية وإدارية، الرقي بجودة الخدمات الصحية، وتقريبها من ساكنة المدينة،
ودائرتها، والجماعات الترابية الخاضعة لها. لكن بعضهم يحاولون نسف ما تحقق على أرض
الواقع، على خلفية "المزايدات السياسوية".. كما الشأن بالنسبة، على سبيل
المثال، للأزمة المفتعلة وتأجيج الشارع، بالترويج لمغالطات بشأن فتح مصلحة لعلاج
الأمراض الصدرية وداء السل بمستشفى أزمور.
فلماذا أخفى
إذن "من حركوا الاحتجاجات" عن "مناضليهم
من العجزة والأحداث والصبية"، الحقيقة، والحقائق التالية:
1/ كون علاج داء
السل الرئوي، المصنف (M+)، لم يعد
يحتاج ملازمة السرير داخل المستشفى، وأن بإمكان المصابين أن يتابعوا العلاجات في
بيوتهم، بتناول الأدوية بانتظام، أو عند انتقالهم بشكل دوري ومنتظم، إلى المراكز والوحدات
الصحية القريبة منهم. وتتراوح مدة العلاج والقضاء على هذا الداء، ما بين6 أشهر
وسنة.
وفي هذا
السياق، فإن فقط 3 إلى 5 بالمئة من
الحالات، هي التي تستوجب الاستشفاء، حسب وزارة الصحة.
2/ وكون الطاقم الطبي الموزع بين ظبيبة أخصائية و7 ممرضين من ذوي الكفاءات العالية، الذين كانوا ي?
