أعمدة الرأي

" الفُوَيْسِقَة ".. الذاكرة الثقافية للوزغ

الأحد 26 يوليو 2026 11:05 0 تعليق admin
" الفُوَيْسِقَة ".. الذاكرة الثقافية للوزغ

✍️ ذ. محمد معروف


يحتل الحيوان مكانة بارزة في الممارسات السحرية بالمغرب، ويحظى بتمثلات متعددة ومتنوعة في المخيال الشعبي. ففي عدد من الوصفات والممارسات السحرية، لا تقتصر المواد المستعملة على النباتات والبخور والمعادن والمواد ذات الأصل البشري، بل تحضر كذلك حيوانات بعينها أو أجزاء من أجسادها وإفرازاتها: هناك مثلا الوزغ، والحية، والحرباء، والهدهد، والضبع، والتمساح، وغيرها من الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات. غير أن السؤال الأنثروبولوجي الأهم ليس مجرد: لماذا تحضر الحيوانات في الممارسات والوصفات السحرية؟ وإنما: لماذا تُنتقى حيوانات بعينها دون غيرها؟ لماذا يصبح الوزغ أو الحية أو الضبع قابلاً للاستثمار داخل المخيال السحري، بينما تظل حيوانات أخرى، قد تكون أكثر حضوراً في الحياة اليومية، خارج إطار المنطق السحري ومعجمه أو أقل حضوراً فيه؟

تنطلق هذه المقالة من أطروحة أساسية مفادها أن هذه الحيوانات لم تدخل عالم السحر اعتباطاً، ولم تكتسب قيمتها السحرية المفترضة من خصائص مادية كامنة فيها فحسب، بل دخلته محمّلة بذاكرة ثقافية كثيفة سابقة على استعمالها السحري. فقد راكمت الثقافة حول بعض الحيوانات، عبر أزمنة مختلفة، معاني مستمدة من مظهرها وسلوكها وخصائص أجسادها، ومن حضورها في الأساطير والنصوص الدينية والحكايات الشعبية والمعتقدات المحلية. وعندما تستدعي الممارسة السحرية الحيوان، فإنها لا تستدعي جسداً بيولوجياً محايداً، بل تستدعي معه هذا الرصيد المتراكم من المعاني.

تسبق الذاكرة الثقافية للحيوان استعماله السحري، ثم تعيد الممارسة السحرية تجسيد هذه الذاكرة في الحيوان وأجزاء جسده وإفرازاته. فالمعاني المتراكمة حوله في الحكايات والأساطير والنصوص الدينية والمعتقدات الشعبية تنتقل إلى مادته الجسدية، كالجلد والذيل والدم والبول والبيض والريش وغيرها. وبذلك لا يعود الحيوان مجرد موضوع للسرد والتمثيل، بل يصبح حاملاً مادياً للمعاني التي تراكمت حوله ثقافياً، فيما يغدو توظيف جسده أو بعض أجزائه في الممارسة السحرية شكلاً من أشكال تجسيد هذه الذاكرة وإعادة توظيفها.

يمكن تسمية التاريخ الذي تتكون من خلاله هذه الدلالات بـ«السيرة الرمزية للحيوان»؛ أي المسار الذي ينتقل فيه الحيوان من كائن بيولوجي إلى رمز ثقافي، ومن رمز إلى سردية أسطورية أو دينية أوفولكلورية، ثم إلى مادة قابلة للاستثمار داخل الممارسة السحرية. ولا ينبغي تصور ذلك في صورة انتقال تاريخي خطي وثابت، بل باعتباره ترسّباً رمزياً تتداخل فيه طبقات متعددة من المعنى. ويمكن، بصورة تحليلية، تصور المسار على النحو الآتي: خاصية جسدية أو سلوكية ← تأويل ثقافي ← سرد أسطوري أو ديني ← تداول فولكلوري ← توظيف سحري.

من الطبيعة إلى الرمز

لا تدخل الحيوانات الثقافة متساوية في قدرتها على إثارة المخيال الثقافي. فبعضها يمتلك خصائص جسدية أو سلوكية تبدو للإنسان غير مألوفة. فالحية تتحرك من دون أطراف ظاهرة، وتختفي تحت الأرض وفي الشقوق، وقد تحمل السم، ثم تتخلص دورياً من جلدها. والحرباء تُغيِّر لونها. والتمساح يعيش بين الماء واليابسة. والوزغ يتحرك على الجدران والأسقف ويختفي داخل الشقوق، ويعيش داخل المسكن من دون أن يكون حيواناً منزلياً. أما الضبع، فقد ارتبط في المخيال الثقافي بسلوك ليلي وافتراسي وبقدرات غامضة نُسبت إليه في الحكايات والمعتقدات الشعبية.

غير أن هذه الخصائص الطبيعية لا تحمل معنى سحرياً في ذاتها. فالانسلاخ ليس «تجدداً رمزياً» في علم الأحياء، وتغير لون الحرباء ليس «تحولاً سحرياً»، وتجدد ذيل الوزغ ليس «بعثاً»، كما أن السلوك الافتراسي للضبع لا يعني امتلاكه قوة خارقة على إخضاع الآخرين. إن الثقافة هي التي تنتقي خاصية من جسد الحيوان أو سلوكه، وتجردها جزئياً من سياقها الطبيعي، ثم تعيد إدراجها في شبكة من المعاني. ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين الخاصية البيولوجية وبين التأويل الثقافي الذي يُبنى عليها.

الحية: الانسلاخ وذاكرة التجدد

تقدم الحية نموذجاً بالغ الدلالة. فمن الناحية البيولوجية يمثل انسلاخ الجلد عملية طبيعية مرتبطة بالنمو وتجدد الطبقة الخارجية. لكن المشهد يمكن أن يكتسب معنى آخر داخل المخيال الثقافي: كائن يتخلص من غلافه القديم ثم يظهر بجلد جديد. وهنا تصبح الخاصية الطبيعية قابلة لأن تتحول إلى استعارة للتجدد واستعادة الشباب والانتقال من القديم إلى الجديد. وتظهر قوة هذا الترميز في ملحمة جلجامش. فبعد رحلة جلجامش بحثاً عن الإفلات من الموت، يصل إلى نبات يرتبط باستعادة الشباب، وتكتسب النبتة دلالتها الرمزية من ذاكرة ثقافية أوسع ترى في النبات صورةً للتجدد والبعث؛ فهو يذبل ويموت ظاهرياً ثم يعود إلى الإنبات في دورة متكررة، ولذلك أمكن أن يصبح رمزاً لاستعادة الحياة ومقاومة الفناء. غير أن الحية تستولي على النبتة، ويرتبط الحدث في السرد بتجدد جلدها. وبذلك تدخل الحية في واحدة من أقدم التأملات الأسطورية في المفارقة بين فناء الإنسان وقدرة الطبيعة الظاهرة على التجدد.

ولا يعني استحضار جلجامش أن الممارسة السحرية المغربية المعاصرة ورثت معنى الحية مباشرة من بلاد الرافدين؛ لكن المثال يكشف عن أمر أكثر أهمية نظرياً: خاصية حيوانية واحدة تستطيع أن تصبح على مدى التاريخ مولِّداً لمعانٍ تتجاوز وظيفتها البيولوجية. فالإنسان يرى الانسلاخ، ثم يفكر من خلاله في الشباب والشيخوخة والموت والتجدد والبعث. وهكذا، عندما يظهر جلد الحية أو جزء من جسدها في ممارسة سحرية، يصبح السؤال الأنثروبولوجي ليس فقط: كيف استُعمل؟ بل أيضاً: ما الذاكرة الثقافية التي جعلت هذه المادة قابلة أصلاً لأن يُنسب إليها معنى أو أثر مخصوص؟

»الفُوَيْسِقَة»: من الحيوان الطبيعي إلى الذاكرة الدينية

يقدم الوزغ حالة أكثر تركيباً، لأنه يجمع بين غرابة الجسد وكثافة الذاكرة الدينية. فهو قريب جداً من الإنسان من حيث المكان؛ يسكن البيوت والجدران، لكنه لا ينتمي إلى عالم الحيوانات المنزلية. يظهر ثم يختفي، ويتسلل إلى الشقوق، ويتحرك على الأسطح العمودية والأسقف بطريقة تخرق المألوف في حركة الحيوانات المحيطة بالإنسان. وتضاف إلى هذه الخصائص ذاكرة دينية مخصوصة؛ فقد ورد الوزغ في الحديث باسم «الفُوَيْسِقة»، كما وردت رواية تربطه بالنفخ في النار التي أُلقي فيها إبراهيم. وهنا لم يعد الحيوان مجرد كائن طبيعي، بل أُدخل في سردية دينية أخلاقية. فالذاكرة الثقافية لم تعد تتشكل من ملاحظة الجسد والسلوك فقط، وإنما أصبحت تستمد كثافتها أيضاً من القصة المقدسة.

غير أنه ينبغي منهجياً الفصل بين مستويات هذه الذاكرة. فما يرد في النص الديني شيء، وما تضيفه الثقافة الشعبية شيء آخر، وما تعيد الممارسة السحرية إنتاجه شيء ثالث. لذلك لا ينبغي، مثلاً، نسبة علاقة مفترضة بين الوزغ والجن مباشرة إلى الإسلام ما لم يثبتها النص، بل ينبغي البحث في كيفية نشوء مثل هذه الروابط داخل الثقافة الشعبية إن كانت المادة الإثنوغرافية توثقها. والمهم هنا هو تتبع تحولات المعنى من النص إلى الحكاية، ومن الحكاية إلى المعتقد، ومن المعتقد إلى الممارسة.

جسد ينفصل عن نفسه ثم يعيد بناء نفسه

ليست الذاكرة الدينية المصدر الوحيد للكثافة الرمزية للوزغ؛ فجسده يوفر للمخيال الشعبي خاصية استثنائية. تستطيع أنواع من الوزغ، عند التعرض للخطر، فصل ذيلها عن جسدها ثم تجديده تدريجياً. وهنا يبدو الجسد، من منظور ثقافي، وكأنه ليس وحدة مغلقة ونهائية، بل بنية تستطيع أن تفقد جزءاً منها من دون أن تفقد الحياة، ثم تعيد تكوين ما فُقد. يمكن، على سبيل المجاز الأدبي لا المطابقة العلمية، استحضار صورة فرانكنشتاين، أي الجسد القابل للتجزئة وإعادة البناء. لكن المفارقة أن ما يظهر في فرانكنشتاين بوصفه تخييلاً أدبياً عن إعادة تركيب الجسد، يحدث لدى الوزغ جزئياً بوصفه ظاهرة بيولوجية فعلية. ومن هنا يمكن أن تصبح هذه الخاصية مادة ثقافية للتفكير في التجدد والاستمرار بعد الفقدان وإعادة التكوين وترميم الجسد. وهنا يظهر تقابل لافت بين الحية والوزغ. فالحية تقدم نموذجاً للتجدد بالانسلاخ: التخلص من الغلاف القديم؛ بينما يقدم الوزغ نموذجاً للتجدد بعد الفقدان: انفصال جزء من الجسد ثم إعادة تكوينه. نحن إذن أمام صورتين مختلفتين يمكن للثقافة أن تحولهما إلى استعارتين: التجدد بالتخلص من القديم، والتجدد بترميم المفقود.

وهذه النقطة تساعد في تفسير سبب القابلية الرمزية العالية لبعض الزواحف. فأجسادها تبدو وكأنها تتحدى التصور الإنساني المألوف لثبات الجسد: جلد يُخلع، وذيل ينفصل ثم ينمو، ولون يتغير، وحيوان يختفي في الشقوق ثم يظهر منها. إنها خصائص بيولوجية، لكنها توفر ما يمكن تسميته بالمادة الأولية للترميز الثقافي.

الحرباء: الجسد المتحول

تقدم الحرباء شكلاً آخر من هذه القابلية. فقد ارتبطت صورتها الثقافية بصورة خاصة بتغير اللون. والتفسير البيولوجي لهذه الظاهرة أكثر تعقيداً من الاعتقاد الشعبي بأنها تغير لونها ببساطة لتصبح نسخة من محيطها، لكن المهم أن الثقافة لا تتعامل دائماً مع الحيوان وفق ما يقوله علم الحيوان؛ إنها تتعامل كذلك مع الصورة الثقافية التي تكونت عنه. وهكذا تصبح الحرباء قابلة لأن ترتبط بمعاني التلون والتحول وعدم الثبات والانتقال من حالة إلى أخرى.

الهدهد: الذاكرة السردية والمعرفة البعيدة

ولا يشترط أن يكون الجسد الغريب هو المصدر الرئيسي للذاكرة الرمزية. فالهدهد يقدم نموذجاً مختلفاً؛ إذ اكتسب كثافة دلالية واضحة من موقعه في السرد القرآني. ففي قصة سليمان يأتي الهدهد بخبر سبأ؛ فهو يرى في مكان بعيد ما لم يكن معلوماً في المكان الذي يوجد فيه سليمان، ثم يعود ناقلاً للخبر. ومن ثم يمكن أن تتشكل حوله ذاكرة ثقافية مرتبطة بالخبر والوساطة والوصول إلى البعيد والمعرفة بما هو غائب. وإذا أثبتت المادة الإثنوغرافية حضوره في وصفات سحرية مغربية، فإن السؤال يصبح: هل تستثمر الممارسة هذه السيرة السردية؟ وهل انتقلت دلالة المعرفة بالبعيد من القصة إلى الصورة الشعبية للحيوان، ثم من الحيوان إلى أجزائه داخل الممارسة؟ أم أن الثقافة المغربية بنت حوله دلالات أخرى؟ لا ينبغي افتراض الإجابة، لكن السؤال يكشف مرة أخرى أن الحيوان قد يدخل الممارسة وهو يحمل أرشيفاً من المعاني يسبقها زمنياً وثقافياً.

الضبع: من سلوك الافتراس إلى مخيال الإخضاع

ويقدم الضبع نموذجاً آخر للحيوان الذي يدخل الوصفات السحرية محمّلاً بسيرة رمزية سابقة على استعماله فيها. غير أن مصدر هذه الكثافة الرمزية يختلف جزئياً عما رأيناه لدى الحية أو الوزغ، إذ يتصل بصورة خاصة بسلوك الضبع كما جرى إدراكه وإعادة تأويله في المخيال الشعبي. فقد نُسب إليه في عدد من التقاليد الشعبية قدرة غريبة على إرباك فريسته أو استدراجها وسلبها القدرة على المقاومة، وهي تصورات قد يُعبَّر عنها بفكرة «تنويم» الضحية أو إخضاعها لإرادته، بل تُربط أحياناً برائحته أو بإفرازاته الجسدية. ولا ينبغي التعامل مع هذه الصورة بوصفها وصفاً علمياً لسلوك الضبع؛ فالدراسات السلوكية لا تثبت أنه «ينوّم» فريسته بواسطة البول، وإن كانت تثبت أهمية التواصل الكيميائي والوسم بالرائحة في حياة أنواع مختلفة من الضباع. وما يهم أنثروبولوجياً هو الكيفية التي تعيد بها الثقافة تأويل خصائص الحيوان وسلوكه، فتحوّل الرائحة والإفراز والسلوك الليلي والافتراس إلى رموز على قدرة خفية على الاستدراج والتأثير والإخضاع. ومن هنا يمكن فهم قابلية الضبع لأن يُستدعى في بعض المعتقدات والوصفات السحرية المرتبطة، متى أثبتت المادة الإثنوغرافية ذلك، بالجذب أو السيطرة على إرادة الآخر؛ إذ تُنقل القدرة التي ينسبها المخيال إلى الحيوان من عالم الافتراس إلى عالم العلاقات الإنسانية. ولا تبقى هذه القوة الرمزية محصورة في الضبع بوصفه كائناً كاملاً، بل قد تمتد إلى أجزاء جسده وإفرازاته، التي تصبح في التصور السحري حوامل مادية للصفات المنسوبة إليه. وهكذا لا يدخل الضبع عالم السحر باعتباره مادة حيوانية محايدة، بل تسبقه إليه ذاكرته الثقافية؛ فالقيمة الأنثروبولوجية للمعتقد لا تكمن في إثبات أن الضبع ينوّم فريسته فعلاً، وإنما في فهم كيف أصبح المجتمع يتخيله قادراً على ذلك، وكيف انتقلت هذه القدرة المتخيلة من سيرة الحيوان الثقافية إلى فاعليته السحرية المفترضة.

لا تكمن المسألة، إذن، في افتراض وجود «حيوانات سحرية» تحمل في طبيعتها خصائص خارقة، بل في فهم عملية الانتقاء الثقافي التي تجعل بعض الحيوانات، دون غيرها، قابلة للدخول في الممارسة السحرية. وتتحدد هذه القابلية بما تراكم حول الحيوان من معانٍ ورموز وتمثلات استمدت من خصائصه الجسدية وسلوكه، ومن حضوره في الأساطير والنصوص الدينية والحكايات والمعتقدات الشعبية، لتتشكل بذلك ذاكرة ثقافية تسبق استعماله السحري وتمنحه كثافته الرمزية. وتفيد هنا فكرة الحدّية أو البينية (liminality). فبعض هذه الحيوانات يبدو وكأنه يوجد على الحدود بين التصنيفات: الحية بين سطح الأرض وعالم الجحور؛ والتمساح بين الماء واليابسة؛ والوزغ داخل البيت ولكنه ليس أليفاً؛ والحرباء ثابتة في نوعها ولكن مظهر جسدها متغير؛ والضبع حيوان واقعي لكنه محاط في المخيال الشعبي بصفات تتجاوز سلوكه الحيواني الموثق. إنها كائنات تتيح للثقافة التفكير في الحدود بين الظاهر والخفي، والثابت والمتحول، والأليف والوحشي، والحياة والموت، والسيطرة وفقدان الإرادة.


إن الكائن الذي يتجاوز الحدود والتصنيفات التي تنتظم من خلالها رؤية الثقافة للعالم يكتسب قابلية أكبر لأن تُنسج حوله معانٍ ودلالات رمزية كثيفة لتصبح الحيوانات بوصفها أدوات ثقافية للتفكير: فالإنسان لا يستعمل الحيوان مادياً فقط، بل يفكر من خلال الاختلافات بين الحيوانات في مشكلات أكثر تجريداً تتعلق بالحياة والموت والتحول والخطر والمعرفة والعلاقة بين المرئي والخفي.

لكن الحدّية ليست التفسير الوحيد. فالهدهد يبين أن السرد الديني يستطيع أن يمنح الحيوان ذاكرة رمزية حتى عندما لا يكون جسده هو العامل الأساسي، والضبع يبين أن السلوك المتخيل ثقافياً قد يكون أهم من السلوك الحيواني الفعلي. لذلك فالأدق الحديث عن مصادر متعددة للسيرة الرمزية: الجسد، والسلوك، والموطن، والأسطورة، والدين، والحكاية الشعبية، والخبرة اليومية مع الحيوان.

من الذاكرة الثقافية إلى الفاعلية السحرية

تسبق الذاكرة الثقافية للحيوان الاستعمال السحري، ويعيد الاستعمال السحري تجسيد تلك الذاكرة في الحيوان وأجزائه وإفرازاته. فالوزغ، بهذا المعنى، ليس مجرد حيوان يدخل الوصفة، بل أرشيف ثقافي مصغّر. فجسده يحمل خصائصه البيولوجية، بينما أودعت الثقافة فيه طبقات متراكمة من القصص والتصنيفات والقيم والمخاوف والتصورات. ولا يقتصر هذا الترميز على الحيوان في كليته، بل يمكن أن يمتد داخل المخيال السحري إلى أجزاء جسده وإفرازاته، كالجلد والذيل والدم والبول والبيض، فتغدو هذه المواد حوامل مادية لذاكرته الرمزية. ويمكن اختبار الفرضية نفسها من خلال الحية والهدهد والحرباء والضبع والتمساح، إذ يحمل كل منها سيرة ثقافية مختلفة تسبق استعماله السحري.

وهنا تحدث عملية يمكن تسميتها بتجسيد المعنى. في المنطق السحري، تنتقل الصفة التي كانت موجودة في الحكاية أو الاعتقاد إلى المادة الحيوانية نفسها. فإذا كان الحيوان قد أصبح رمزاً للتجدد، أو التحول، أو الاستدراج أو المعرفة بالبعيد، فإن جزءاً منه قد يصبح متخيلاً بوصفه حاملاً مادياً لتلك الصفة. وبذلك تنتقل الدلالة من السرد إلى الجسد، ومن الجسد إلى المادة السحرية. ولا يعني ذلك أن الممارس يستحضر بالضرورة كل هذه السلسلة بصورة واعية. فقد يكون قد ورث وصفة لا يعرف تاريخ رموزها. لكن استمرار استعمال الحيوان نفسه، يمكن أن يحفظ الذاكرة عبر التداول، حتى بعد أن تصبح أصولها غامضة. وهنا تصبح الوصفة نفسها نوعاً من الأرشيف العملي الذي يحفظ أثراً من التصنيفات والرموز السابقة من خلال تكرار استعمال المادة.

السحر بوصفه إعادة تدوير للذاكرة الثقافية

يعتبر السحر هنا نظاما لإعادة توظيف الذاكرة الثقافية، إذ يستمد من الطبيعة والأسطورة والدين والفولكلور رموزاً اكتسبت عبر الزمن كثافة دلالية، ثم ينتزعها جزئياً من سياقاتها الأصلية ويعيد إدراجها ضمن منظومة جديدة من المعاني والوظائف والعلاقات. وفي حالة الحيوان، تتحول الدلالات المتراكمة حول مظهره وسلوكه وخصائصه الجسدية وسيرته الأسطورية والدينية والشعبية إلى صفات يُتصوَّر أنها متجسدة في جسده وأجزائه وإفرازاته، فتغدو مادته الحيوانية حاملة لذاكرته الثقافية داخل المنطق السحري. وبذلك يمكن فهم لماذا لا تكون الحيوانات قابلة للاستبدال اعتباطاً. فإذا كانت المادة الحيوانية مجرد مادة فيزيائية، يصبح من الصعب تفسير سبب الإصرار على حيوان معين أو جزء معين منه. أما إذا كان الحيوان يحمل سيرة رمزية، فإن استبداله بحيوان آخر يعني تغيير شبكة المعاني التي تدخل معه إلى الوصفة. فالحية ليست الحرباء، والهدهد ليس الوزغ، والضبع ليس التمساح، ليس فقط من حيث التصنيف الحيواني، وإنما لأن لكل واحد منها أرشيفه الثقافي الخاص.

وقد تكون هنا إحدى أهم آليات الثقافة السحرية: تحويل الصفات إلى مواد. فالتجدد الذي كان معنى مرتبطاً بالحية يمكن أن يُسقط على جلدها؛ والتحول المرتبط بالحرباء يمكن أن يُجسد في جسدها؛ والقدرة المتخيلة على الإخضاع المرتبطة بالضبع يمكن أن تنتقل إلى جزء منه أو إفراز من إفرازاته؛ والذاكرة الدينية والفولكلورية للوزغ يمكن أن يعاد تجسيدها في دمه أو ذيله أو بوله أو بيضه متى أثبتت المادة الإثنوغرافية استعمال هذه المواد بهذه الدلالات. هنا تتحول الخاصية المنسوبة إلى الحيوان إلى خاصية منسوبة إلى مادته. تكشف وقفة التأمل في «الفُوَيْسِقَة» وغيرها من الحيوانات الحاضرة في المخيال السحري أن وراء حضورها تاريخاً من المعاني والرموز والتمثلات التي سبقت توظيفها في الممارسة السحرية. فالوزغ لم يبدأ تاريخه عند الساحر؛ لقد سبقته خصائص جسده، وعلاقته بالفضاء المنزلي، وذاكرته الدينية، ثم ما أضافته الثقافة الشعبية إلى صورته. والحية سبقتها ذاكرة الانسلاخ والتجدد؛ والهدهد سبقته ذاكرة سردية للخبر والمعرفة بالبعيد؛ والضبع سبقته صورة ثقافية عن الافتراس والاستدراج والإخضاع؛ والحرباء سبقتها صورة الجسد المتلون والمتحول. يأتي السحر، بهذا المعنى، في مرحلة لاحقة ليلتقط هذه السيرورة الرمزية ويعيد تركيبها داخل منطقه الخاص.

ومن هنا يمكن النظر إلى الحيوان المستخدم سحرياً باعتباره أرشيفاً ثقافياً متجسداً. فجسده ليس صفحة بيضاء؛ لقد نقشت الثقافة عليه طبقات من المعاني والرموز قبل أن يصل إلى الوصفة. وعندما يُجزأ هذا الجسد إلى جلد أو ذيل أو دم أو بول أو بيض أو ريش أو غير ذلك، لا تتجزأ المادة وحدها في المخيال السحري، بل تتوزع معها الصفات والمعاني التي نُسبت إلى الحيوان. وخلاصة القول هو أن الذاكرة الثقافية للحيوان تسبق استعماله في الوصفات السحرية، و تأتي الممارسة السحرية لتعيد تجسيد تلك الذاكرة في جسد الحيوان وأجزائه وإفرازاته، محولةً المعنى الثقافي إلى فاعلية مادية متخيلة. فالحيوان لا يدخل عالم السحر من باب الوصفة، بل من باب الذاكرة؛ وما تستحضره الوصفة ليس جسده وحده، بل تاريخه الثقافي أيضاً.

ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي

admin

admin

كاتب في الجديدة 24

مشاركة:

مقالات ذات صلة