✍️ بوشعيب بنقرايو
.
أسدل الستار على موسم مولاي عبدالله أمغار، الذي يعد من أبرز المواسم الشعبية بالمغرب، لكن ختام هذه الدورة لم يمر بالهدوء الذي كان يفترض أن يرافق نهاية تظاهرة تستقطب آلاف الزوار وتستحوذ على اهتمام إعلامي واسع، إذ طغت على المشهد مجموعة من التصريحات والأرقام التي أثارت جدلا كبيرا، قبل أن تتوج الدورة بواقعة أثارت استياء الجسم الإعلامي، بعدما تعرض أحد الإعلاميين لإهانة داخل فضاء ندوة صحفية.
وبدل أن يكون ختام الموسم مناسبة لتقييم حصيلة التظاهرة، والوقوف عند مكامن القوة والاختلال، وجد الرأي العام نفسه أمام نقاش آخر يتعلق بطريقة تدبير التواصل مع الصحافة، وبحدود العلاقة بين الفنانين والإعلاميين، وبالصورة التي تقدم بها مثل هذه التظاهرات إلى الرأي العام.
ولعل أكثر الوقائع إثارة للجدل خلال الساعات الأخيرة من الموسم كانت تلك التي شهدها فضاء الندوة الصحفية، حين دخل الفنان الشعبي ولد الحوات في مشادة مع أحد الإعلاميين، قبل أن تنتهي الواقعة بتصرف مسيء تجاه الحاضرين، تمثل في البصق، ثم مغادرة المكان، وهي واقعة، بغض النظر عن تفاصيل الخلاف وأسبابه، لا يمكن تبريرها باعتبار أن الاختلاف في الرأي أو الانتقاد الإعلامي لا يبرر بأي حال من الأحوال الإهانة أو الإساءة إلى الصحافيين داخل فضاء يفترض أن يكون مخصصا للحوار والتواصل.
الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالا أوسع من حدود الخلاف بين شخصين: هل فقد الإعلام جزءا من بريقه، أم أن بعض الممارسات التي تحيط بالمشهد الإعلامي والفني هي التي ساهمت في إضعاف صورته؟
والحقيقة أن الإعلام المهني لم يفقد قيمته، بل تغيرت أدواته وتعددت منابره. غير أن بعض الممارسات التي رافقت الانتقال من الإعلام التقليدي إلى الفضاء الرقمي ساهمت في خلق صورة ملتبسة عن المهنة، خصوصاً مع انتشار اللهاث وراء المشاهدات، وتقديم الإثارة على حساب المهنية، وتحول بعض المنابر إلى فضاءات للصراعات الشخصية.
لكن هذا لا يعني، في المقابل، أن كل إعلامي أصبح مستباحا أو أن الصحافي يمكن أن يتحول إلى طرف في أي نزاع. فالصحافة المهنية تظل مطالبة بالموضوعية واحترام الأشخاص، كما أن الفنان والمسؤول والمنظم مطالبون باحترام الصحافة والإجابة عن الأسئلة، حتى عندما تكون محرجة أو ناقدة.
فالإعلام ليس مطلوبا منه أن يصفق، كما أن الفنان ليس مطالبا بأن يقبل كل ما يكتب عنه، وبين الطرفين توجد مساحة اسمها الحوار، وهي التي يفترض أن تحكم مثل هذه اللقاءات.
وبعيدا عن الواقعة التي تصدرت نقاشات نهاية الموسم، فقد شهدت التظاهرة تداول أرقام وتصريحات وصفت بأنها قياسية، من بينها الحديث عن بلوغ عدد زوار الموسم نحو خمسة ملايين زائر، إضافة إلى أرقام ضخمة مرتبطة بحضور السهرات، وصلت في بعض التصريحات إلى الحديث عن 350 ألف شخص.
ومثل هذه الأرقام، عندما تطرح للرأي العام، تحتاج إلى توضيح دقيق ومصادر واضحة ومنهجية معتمدة في احتسابها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتظاهرة جماهيرية تستقطب زوارا من مناطق مختلفة.
فالاحتفال بنجاح الموسم حق مشروع للمنظمين، والإشادة بالإقبال الجماهيري أمر طبيعي، لكن الأرقام القياسية لا ينبغي أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها. الأهم هو ماذا استفادت المنطقة وساكنتها؟ وما الذي تركه الموسم من أثر اقتصادي واجتماعي وتنموي؟ وهل انعكس حجم الحضور على جودة الخدمات والبنيات التحتية والنظافة والتنظيم؟
لم تقتصر النقاشات على أرقام الحضور، بل شملت أيضا ما تم تقديمه باعتباره من مظاهر نجاح الموسم، من بينها لحظات فنية وإعلامية أخذت حيزا واسعا من التداول، مثل مشاركة الداودي في ترديد النشيد الوطني، ودخول الستاتي إلى المنصة راكبا فرسا، وغيرها من المشاهد التي وجدت طريقها سريعا إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
غير أن هذه المشاهد، مهما كانت جاذبيتها الجماهيرية، لا ينبغي أن تحجب الأسئلة الأساسية المرتبطة بمستقبل المنطقة.
فموسم مولاي عبدالله ليس فقط سلسلة من السهرات أو فضاء للفرجة، وإنما تظاهرة ذات جذور تاريخية وثقافية، وواجهة لمدينة ومنطقة تمتلك مؤهلات اقتصادية وسياحية مهمة، ومن ثم فإن تقييم نجاح الموسم لا يمكن اختزاله في عدد الحاضرين أو عدد السهرات أو حجم التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن بين الأسئلة التي عادت بقوة مع نهاية الموسم سؤال التنمية المحلية، فالجماعة الترابية لمولاي عبدالله تتوفر على إمكانات ومداخيل وموارد تجعلها، نظريا، قادرة على تحقيق نتائج أكبر بكثير على مستوى البنيات الأساسية والخدمات العمومية وتحسين ظروف عيش الساكنة.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن لتظاهرة أن تستقطب أعدادا ضخمة من الزوار، وتستفيد من حركة اقتصادية وتجارية وسياحية كبيرة خلال فترة قصيرة، بينما تظل مطالب التنمية المحلية حاضرة بقوة؟
السؤال ليس موجها ضد الموسم في حد ذاته، بل ضد اختزال التنمية في أيام الاحتفال، فالمنطقة تحتاج إلى رؤية تمتد طوال السنة، تجعل من الموسم رافعة اقتصادية وسياحية حقيقية، وليس مناسبة موسمية تنتهي بانتهاء آخر سهرة وآخر زائر.
إن قوة موسم مولاي عبدالله تكمن أساسا في رمزيته التاريخية والثقافية والدينية، وفي قدرته على استقطاب الزوار من مختلف مناطق المغرب وخارجه، وهذه المؤهلات يمكن أن تجعل منه منصة حقيقية للترويج للمنطقة والاستثمار فيها.
لكن ذلك يتطلب الانتقال من منطق الموسم كحدث إلى منطق الموسم كمشروع، أي أن يتم التفكير في تطوير البنيات التحتية، وتحسين ظروف استقبال الزوار، والرفع من مستوى النظافة، وتنظيم حركة السير، وتوفير الخدمات، وحماية البيئة، وتشجيع الاستثمار السياحي، وربط التظاهرة بمنتوج ثقافي وسياحي مستدام.
فالزائر الذي يأتي إلى مولاي عبدالله لا ينبغي أن تكون تجربته مرتبطة فقط بالسهرة التي حضرها، وإنما بما يراه من تنظيم، وما يجده من خدمات، وما يكتشفه من مؤهلات المنطقة.
أما واقعة الندوة الصحفية، فقد كان من الممكن أن تمر كخلاف عابر، لولا الطريقة التي انتهت بها، والتي أعادت التذكير بأهمية وضع قواعد واضحة للعلاقة بين المنظمين والفنانين والصحافيين.
فالصحافي الذي يحضر لتغطية نشاط لا يفترض أن يكون خصما للفنان، والفنان الذي يستقبل الصحافة لا يفترض أن يعتبر كل سؤال استفزازا، الاختلاف مشروع، والرد حق، والانتقاد حق، لكن الإهانة ليست وسيلة للحوار.
وفي المقابل، فإن الجسم الصحفي مطالب أيضا بمراجعة ذاته، فقد ساهمت بعض الممارسات غير المهنية في الإساءة إلى صورة الصحافة، خصوصا عندما يتم تحويل بعض الشخصيات الفنية إلى أبطال ، أو عندما يصبح البحث عن الإثارة أهم من البحث عن المعلومة.
ومن هنا فإن مسؤولية استعادة هيبة الإعلام تقع على عاتق الجميع: الصحافي الذي يجب أن يحافظ على مهنيته، والفنان الذي يجب أن يحترم الصحافة، والمنظم الذي ينبغي أن يوفر ظروفا سليمة للتواصل، والمؤسسات التي يفترض أن تضع حدا لأي تجاوز.
وهكذا انتهى موسم مولاي عبدالله، لكن النقاش حوله لم ينته، فقد تركت الدورة وراءها صورا من الفرجة والاحتفال، وأرقاما كبيرة وتصريحات مثيرة، لكنها تركت أيضا أسئلة مشروعة حول التنمية، وحول تدبير التواصل، وحول العلاقة بين الإعلام والفنانين، وحول كيفية تحويل هذا الحدث الكبير إلى فرصة حقيقية للمنطقة.
وإذا كان ختام الموسم قد حمل الكثير من الجدل، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى المسؤولين والمنظمين هي أن نجاح أي تظاهرة لا يقاس فقط بحجم الجمهور الذي حضرها، ولا بعدد الفنانين الذين اعتلوا منصاتها، ولا بالأرقام التي يتم الإعلان عنها.
النجاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن بأن الموسم انعكس على حياته اليومية، وعندما تتحول موارده وإمكاناته إلى مشاريع تنموية، وعندما يحظى الزائر بخدمات تليق بحجم التظاهرة، وعندما تحترم الصحافة داخل فضاءات يفترض أنها مفتوحة للحوار.
ذلك هو التحدي الحقيقي أمام موسم مولاي عبدالله في دوراته المقبلة: أن يتحول من موسم للفرجة إلى رافعة للتنمية، ومن مناسبة للاحتفال إلى عنوان للحكامة، وأن يكون احترام الإنسان والإعلام جزءا من نجاحه، لا تفصيلا هامشيا في نهايته.