✍️ذ. محمد معروف
ليس النقاش الدائر حول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة نقاشاً تقنياً حول مهنة من المهن الحرة فحسب. ففي قلب هذا القانون سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العدالة نفسها: هل يستطيع المحامي أن يواجه السلطة باسم موكله إذا أصبحت السلطة نفسها حاضرة بصورة مكثفة في مراقبة مهنته وتأديبه وتنظيم مؤسساته؟ يكتسب السؤال أهميته من مفارقة واضحة داخل القانون. فهو يبدأ بإعلان قوي لا لبس فيه: "المحاماة مهنة حرة ومستقلة"، ويربطها بتحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان. كما يلزم المحامي في سلوكه المهني بمبادئ الحرية، والاستقلال، والتجرد، والنزاهة. لكن قراءة بقية المقتضيات تكشف أن هذا الاستقلال المعلن أصبح محاطاً بشبكة كثيفة من الإشعار، والمراقبة، والإحالة والطعن، والتأديب، يكون للنيابة العامة، ولا سيما الوكيل العام للملك، حضور متكرر فيها. ومن هنا يمكن أن نصوغ، استعارةً، مفهوم "المحامي المجرور".
من "المثقف المهني" إلى "المحامي المجرور"
استلهم إدوارد سعيد، في كتابه المثقف والسلطة، جزءاً مهماً من تصوره للمثقف من نقد المهنية (Professionalism)، حين تتحول من ممارسة للكفاءة إلى آلية للاندماج في المؤسسة. فالمشكلة عند سعيد ليست أن يكون المثقف صاحب مهنة، وإنما أن يصبح شديد الارتباط بقواعد المؤسسة ومكافآتها وقيودها، إلى درجة يبدأ معها في معرفة الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها، والأفكار التي يمكن أن يقولها، وتلك التي قد تكلفه موقعه أو مستقبله المهني. وفي مقابل ذلك، يدافع سعيد عن روح "الهاوي" التي تسمح للمثقف بالاحتفاظ بمسافة نقدية من المؤسسة. وهذا هو المنظور الذي يطوره خصوصاً في مناقشته للمحترف والهاوي. وانطلاقا من هذه الفكرة، نقترح مفهوم "المحامي المجرور". ولا نعني به محامياً تصدر إليه السلطة أمراً مباشراً بالصمت أو الامتثال، وإنما محامياً تجره البيئة القانونية والمؤسساتية تدريجياً نحو الحذر والامتثال والرقابة الذاتية. فالجرّ هنا لا يتم بالحبل، بل بالقواعد، والمحاضر، والشكايات، وإمكان المتابعة، والطعن، والرقابة المستمرة.
يسأل المحامي المستقل نفسه وهو يترافع: "ما أقوى ما يمكن أن أقوله دفاعاً عن موكلي؟" أما المحامي المجرور فقد يبدأ في طرح سؤال مختلف: "ما الذي أستطيع أن أقوله من دون أن أجرّ على نفسي محضراً أو متابعة أو مساءلة؟" وهنا يتغير معنى الدفاع قبل أن تصدر أية عقوبة.
حصانة الدفاع... ومحضر الجلسة
تجسد المادة 78 هذا التوتر بصورة واضحة. فهي تقرر أولاً أن للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجعة للدفاع عن موكله، وأنه لا يُسأل عما يرد في مرافعته الشفوية أو مذكراته مما يستلزمه حق الدفاع، بل ولا يمكن اعتقاله بسبب أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسة المهنة. غير أن المادة نفسها تتيح للمحكمة تحرير محضر مستقل يتضمن ما تعتبره سباً، أو قذفاً، أو إهانة، أو فعلاً مخلاً بنظام الجلسة، وإحالته إلى النقيب وإلى الوكيل العام للملك. وإذا لم يتخذ النقيب قراراً داخل الأجل المحدد، ينتقل الملف إلى غرفة المشورة بمبادرة من الوكيل العام. ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن المحامي ينبغي أن يكون حراً في الإساءة أو تعطيل الجلسة. فاستقلال الدفاع لا يعني الفوضى ولا الإعفاء من المسؤولية. لكن السؤال هو أثر هذه الآلية على الممارسة اليومية للترافع. فالمحامي الذي يعرف أن كل مواجهة حادة قد تتحول إلى محضر مستقل، ثم إلى مسار تأديبي أو قضائي، قد يبدأ في تعديل خطابه مسبقاً. وهنا يصبح أثر القانون نفسياً ومهنياً قبل أن يكون عقابياً. أخطر القيود على حرية الدفاع ليست دائماً تلك التي تمنع المحامي من الكلام، بل تلك التي تجعله يختار الصمت بنفسه.
النيابة العامة: من طرف في الخصومة إلى جهة رقابة؟
هنا تبرز الإشكالية الأكثر حساسية في القانون: الموقع الذي يمنحه القانون للنيابة العامة داخل منظومة مراقبة المحامي وتأديبه. تنص المادة 79 على أنه إذا كان اعتقال المحامي مرتبطاً بممارسة المهنة، فلا يتم الاستماع إليه إلا من طرف النيابة العامة بحضور النقيب أو من ينتدبه. كما أن البحث معه أو تفتيش مكتبه في جناية أو جنحة ذات صلة بالمهنة يتم من طرف النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو قاض منتدب. وتضع المادة في الوقت نفسه ضمانات مهمة لحماية سرية المراسلات والمحادثات بين المحامي وموكله، وتقرر بطلان الإجراءات المخالفة لهذه الضمانات. لكن المسألة لا تتوقف عند البحث الجنائي. ففي المسطرة التأديبية، تظهر النيابة العامة مرة أخرى بصورة أكثر انتظاماً. تلزم المادة 99 النقيب بإحالة جميع الشكايات المقدمة في مواجهة المحامين إلى الوكيل العام للملك. وإذا قرر النقيب الحفظ، يمكن للوكيل العام الاعتراض، وإعادة تكييف الوقائع، والدفع في اتجاه المتابعة، كما يستطيع الطعن في بعض قرارات عدم المؤاخذة. كما تجيز المادة 98 لمجلس الهيئة منع المحامي مؤقتاً من ممارسة المهنة بناء على طلب النقيب أو الوكيل العام للملك في حالة متابعته زجرياً، وينفذ القرار رغم الطعن.
وهنا يظهر ما يمكن وصفه، تحليلياً، بتعارض الأدوار المؤسساتية (institutional conflict of roles). فالنيابة العامة تمثل، في القضايا الزجرية، سلطة الاتهام. والمحامي يمثل سلطة الدفاع. ومن طبيعة المحاكمة العادلة أن توجد بين الوظيفتين مسافة تسمح لكل منهما بأداء دوره باستقلال. فإذا أصبح ممثل سلطة الاتهام، في الوقت نفسه، حاضراً بصورة واسعة في مساطر الشكاية والتأديب والطعن المتعلقة بالمحامي الذي يواجهه في المحكمة، فإن سؤالاً مؤسسياً يصبح مشروعاً: كيف يمكن للطرف الذي يواجهه المحامي يومياً دفاعاً عن موكله أن يكون في الوقت نفسه أحد أهم الفاعلين في منظومة مراقبة سلوكه المهني؟ لا يعني هذا اتهام النيابة العامة بسوء استعمال سلطتها، ولا القول إن وجود رقابة قضائية هو أمر غير مشروع. إن المشكلة في بنية العلاقة نفسها. فالاستقلال لا يقاس فقط بنزاهة الأشخاص الذين يمارسون السلطة، بل كذلك بالطريقة التي توزع بها المؤسسات الاختصاصات، بحيث يقتضي الاستقلال ألا تكون الجهة التي تواجه المحامي خصماً في المحكمة هي نفسها جهةً تمارس عليه سلطة الرقابة.
ويمكن صياغة الأمر ببساطة: ليس السؤال هل سيستعمل الوكيل العام هذه السلطات ضد المحامي، وإنما في الأثر الذي يتركه مجرد وجود هذه السلطة في وعي المحامي وهو يترافع في مواجهة النيابة العامة. هنا يعود "المحامي المجرور" إلى الظهور. حين يصبح الخصم جزءاً من أفق الرقابة في المحكمة الزجرية، يقف المحامي والنيابة العامة في موقعين مختلفين وظيفياً. تدافع النيابة عن الاتهام والمصلحة العامة وفق اختصاصاتها، والمحامي يدافع عن حقوق المتهم وضماناته. قد يطعن المحامي في أدلة النيابة، وينتقد إجراءاتها، ويطلب بطلان محاضرها، ويطعن في تكييفها للوقائع، بل قد يبني دفاعه كله على إثبات خطأ المسار الذي تبنته. لهذا فإن استقلاله لا يحتاج فقط إلى نص يقول إن المحاماة مهنة حرة؛ يحتاج إلى إحساس مؤسساتي بالأمان يسمح له بمواجهة جهة الاتهام دون أن يستحضر أثناء تلك المواجهة أن هذه الجهة نفسها تتمتع بأدوار مؤثرة في مسارات مهنية وتأديبية مرتبطة به. ومن هنا لا يكون "المحامي المجرور" محامياً ضعيف الشخصية. قد يكون محامياً ممتازاً وذا كفاءة عالية، لكن البنية المؤسساتية تجعله يتعلم بالتدريج قواعد السلامة المهنية:
- لا ترفع المواجهة أكثر من اللازم.
- لا تدفع الاعتراض إلى نهايته.
- لا تستعمل العبارة التي قد تُفهم بشكل آخر.
- لا تدخل في صدام قد يتحول إلى محضر.
بهذه الطريقة قد يصبح القانون منتجاً لامتثال مهني لا يحتاج إلى أمر مباشر.
من التأديب الذاتي إلى التأديب المشترك
كان منطق استقلال المهن الحرة تاريخياً يقوم، بدرجات مختلفة، على التنظيم الذاتي: تضع المهنة أخلاقياتها، وتسهر مؤسساتها المنتخبة على تطبيقها، مع خضوع قراراتها بطبيعة الحال للقانون والقضاء. يبقي القانون الجديد لمجلس الهيئة اختصاصاً أساسياً في التأديب، لكنه يجعل النيابة العامة حاضرة في مراحل متعددة منه. فالوكيل العام يتوصل بالشكايات، ويمكنه منازعة قرارات الحفظ، والطعن في القرارات التأديبية، كما تبلّغ إليه قرارات مجلس الهيئة والنقيب. وهنا لا نقول إن الهيئة فقدت اختصاصها التأديبي؛ فذلك غير صحيح. ولكن يمكن القول إننا انتقلنا من استقلال مهني محاط برقابة قضائية إلى صيغة أقرب إلى التدبير المهني المشترك تحت حضور دائم للنيابة العامة. وهذا فرق مهم.
المحامي تحت الرقابة المالية للنيابة العامة
لا تبدو الإشكالية المالية في القانون رقم 66.23 مرتبطة برقابة المجلس الأعلى للحسابات على حساب ودائع وأداءات المحامين؛ فهذه رقابة مالية يمكن تبريرها بحماية أموال الموكلين وضمان سلامة العمليات. لكن الإشكال الأوضح يظهر في المادة 74، التي تجعل مراقبة مكتب المحامي وحساباته قابلة لأن تتحرك بناء على طلب من الوكيل العام للملك. تنص المادة على أن النقيب أو من ينتدبه من مجلس الهيئة يقوم، مرة واحدة في السنة على الأقل، بمراقبة مكتب المحامي، والتحقق من احترامه للقانون، ووضعية الودائع لديه، وانتظام حساباته. غير أن هذه المراقبة لا تتم فقط بمبادرة مهنية داخلية؛ إذ يمكن أن تتم كذلك بناء على طلب الوكيل العام للملك، كما يُلزَم النقيب بإشعار هذا الأخير بنتائجها. وهنا يطرح سؤال الاستقلال نفسه من زاوية جديدة. فالمسألة ليست رفض مراقبة حسابات المحامي، لأن ذلك يدخل في صميم حماية الموكلين وضمان النزاهة المهنية. إنما السؤال هو: لماذا تكون للنيابة العامة، وهي جهة قد يكون المحامي في مواجهة مهنية مباشرة معها، سلطة طلب مراقبة مكتبه والاطلاع على نتائج هذه المراقبة؟ تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة إذا وضعناها بجانب بقية المقتضيات التي تمنح الوكيل العام أدواراً في الشكايات والتأديب والطعن. عندئذ لا تظهر المادة 74 كإجراء مالي معزول، بل كجزء من حضور مؤسساتي متكرر للنيابة العامة في الحياة المهنية للمحامي.
وهنا يتجسد مفهوم "المحامي المجرور" بصورة أوضح: فالمحامي لا يشعر فقط بأن أقواله في الجلسة قد تكون موضوع محضر، أو أن شكوى مهنية قد تصل إلى النيابة العامة، بل يعلم كذلك أن هذه الجهة نفسها تستطيع أن تطلب فحص مكتبه وحساباته وأن تتلقى نتائج المراقبة. ولا يعني ذلك أن كل طلب للمراقبة يمثل ضغطاً أو تدخلاً غير مشروع؛ فالقانون لا يسمح لنا بهذا الاستنتاج. لكن الإشكال يكمن في تراكم مواقع الرقابة في يد فاعل مؤسساتي واحد. فحين تكون الجهة التي يواجهها المحامي في الدعوى قادرة أيضاً على تحريك جزء من الرقابة على ممارسته المهنية، يصبح السؤال مشروعاً حول المسافة التي يجب أن تفصل بين سلطة الاتهام واستقلال الدفاع. لذلك فالمشكلة هنا ليست في المحاسبة، بل في هندسة الرقابة: من يطلبها، ومن يتلقى نتائجها، وما أثر هذا الحضور المستمر على استقلال المحامي العملي. فالاستقلال لا يقتصر على حرية الترافع داخل الجلسة؛ بل يشمل أيضاً أن يمارس المحامي مهنته دون أن يشعر بأن خصمه المؤسساتي في المحكمة حاضر خلفه في المجال التأديبي والمهني والمالي كذلك.
المحامي المجرور رقمياً: من منع الإشهار إلى تقييد الحضور في الفضاء العام
يمتد نموذج "المحامي المجرور" في القانون الجديد إلى المجال الرقمي أيضاً. فالمادة 45 تمنع المحامي من كل عمل يستهدف "جلب الزبناء أو استمالتهم"، وتحظر عليه "كل إشهار أيا كانت وسيلته" تحت طائلة المساءلة التأديبية. وفي المقابل، لا تسمح له بإنشاء موقع إلكتروني إلا بإذن من النقيب، مع حصر مضمونه في نبذة عن حياته ومساره الدراسي والمهني واهتماماته القانونية وأبحاثه، وإخضاع هذا المضمون لمراقبة النقيب. هنا، ليست المشكلة في منع الإشهار التجاري أو استمالة الزبناء، فذلك يمكن تبريره بأخلاقيات المهنة، وإنما في اتساع الصياغة وما تتركه مسكوتاً عنه. فعبارة "استمالة الزبناء"، لا تحدد بدقة أين ينتهي التواصل القانوني مع الجمهور وأين يبدأ الإشهار. والمحامي اليوم لا يوجد فقط داخل مكتبه أو قاعة المحكمة؛ بل يظهر في المنصات الرقمية، ويشارك في النقاش العمومي، ويشرح القوانين، ويبسط المساطر للمواطنين، ويعلق على قضايا قانونية تهم الرأي العام. فهل يمكن اعتبار كثافة هذا الحضور أو نجاحه في استقطاب الجمهور شكلاً غير مباشر من استمالة الزبناء؟ هنا تكمن قوة الأثر الضمني للمادة: فهي لا تمنع المحامي صراحة من إبداء رأيه القانوني على مواقع التواصل، ولا ينبغي أن ننسب إليها ما لم تقله، لكنها تترك منطقة تأويل واسعة بين التوعية القانونية والإشهار المهني. وقد يصبح تبسيط مسطرة للعموم، أو تقديم تحليل قانوني، أو الظهور المنتظم في المنصات الرقمية، قابلاً للتأويل باعتباره وسيلة لجذب زبناء محتملين. وهكذا قد لا يحتاج النص إلى منع الكلام مباشرة؛ إذ يكفي أن يجعل حدود الكلام غير يقينية وتحت احتمال المساءلة التأديبية لكي يدفع المحامي إلى ممارسة الرقابة الذاتية.
وهذا وجه آخر من وجوه "المحامي المجرور": محامٍ مستقل نظرياً، لكن حضوره في المجال الرقمي يتحرك داخل حدود لا يرسمها النص بدقة. والمفارقة أن المجتمع يحتاج إلى المحامي في الفضاء العام لا بصفته تاجراً لخدمات قانونية، بل باعتباره فاعلاً في نشر الثقافة القانونية وتبسيط القانون والدفاع العلني عن الحقوق والحريات. لذلك كان الأجدر بالقانون أن يفصل بوضوح بين الإشهار التجاري واستمالة الزبناء، وهما مجالان يجوز تنظيمهما، وبين التعبير القانوني والتوعية والمشاركة في النقاش العمومي، وهي وظائف ينبغي ألا تتحول إلى منطقة اشتباه تأديبي.
النقيب المجرور: من الزعامة المهنية إلى تليين الجهاز
يمتد منطق "المحامي المجرور" في القانون رقم 66.23 إلى رأس التنظيم المهني نفسه: النقيب. فالمادة 130 تجعل ولايته ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، بينما تذهب المادة 133 أبعد من ذلك حين تشترط في المترشح "أن لا يكون نقيباً سابقاً أياً كانت مدة الولاية". وبذلك لا يتعلق الأمر بمنع توالي الولايات فقط، بل بمنع النقيب من العودة إلى المنصب نهائياً بعد انتهاء ولايته. تكمن أهمية هذا المقتضى في أن النقيب ليس مجرد مدبر إداري. فمنصب النقيب كان يسمح، مع الزمن وتجدد الثقة الانتخابية، ببروز زعامات مهنية صلبة تراكم الخبرة والشرعية والصيت داخل الجسم المهني، وتتحول إلى أصوات قوية في الدفاع عن استقلال المحاماة وفي مواجهة السلطة عند الاختلاف معها. أما منع العودة إلى المنصب فيقطع مؤسساتياً الطريق أمام تراكم هذا النوع من الزعامة، مهما كانت الثقة التي قد يستمر النقيب السابق في التمتع بها بين زملائه. ولعل هذا التحول التشريعي لا يمكن فصله تماماً عن سياق أوسع برز فيه المحامون، خلال السنوات الأخيرة، كأصوات مستقلة في عدد من القضايا الاجتماعية والاحتجاجية والنقاشات المرتبطة بالسياسات العمومية. فقد أظهرت تلك اللحظات أن المحامي لا يكتفي بالدفاع داخل قاعة المحكمة، بل قد يتحول، بحكم موقعه واستقلاله، إلى فاعل عمومي قادر على إزعاج السلطة ومساءلة اختياراتها.
لا يقول القانون، بطبيعة الحال، إن غايته هي التخلص من "النقباء المزعجين" أو تدجين المهنة؛ ولذلك ينبغي تقديم ذلك بوصفه قراءة في الأثر السياسي والمؤسساتي للمقتضى، لا بوصفه نية معلنة للمشرّع. لكن أثره المحتمل واضح: التداول الإجباري والسريع على القيادة، قد يمنع ترسخ الشخصيات القوية ويجعل الجهاز أكثر سيولة وأقل قدرة على إنتاج زعامات طويلة النفس. فكلما بدأ النقيب في مراكمة الخبرة والوزن التفاوضي والاستقلال الرمزي، تكون ولايته قد اقتربت من نهايتها، من دون إمكانية العودة. وهنا يصبح السؤال أبعد من مبدأ التداول، الذي يظل في ذاته مبدأً ديمقراطياً: لماذا يُحرم المحامون أنفسهم من حق إعادة انتخاب نقيب يحظى بثقتهم؟ فالتداول شيء، ومنع الجسم المهني قانوناً من تجديد ثقته في قيادته شيء آخر. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المادتين 130 و133 باعتبارهما لا تنظمان مدة المسؤولية فحسب، بل تعيدان تشكيل طبيعة القيادة داخل المهنة: من إمكانية إنتاج زعامة مهنية مستقلة وصلبة إلى قيادة مؤقتة ومتغيرة، بما قد يجعل الجهاز المهني أكثر رخاوة وأسهل احتواءً وتطويعاً.
الاستقلال ليس امتيازاً للمحامي
قد يكون أكبر خطأ في النقاش العمومي هو تقديم مطالب المحامين كما لو كانت مطالبة بحصانة طبقية أو امتياز مهني. إن استقلال المحامي ليس امتيازاً شخصياً له. إنه حق للمتقاضي. حين تواجه الدولة مواطناً بسلطتها القانونية والقضائية والمؤسساتية، يكون المحامي أحد أهم الأدوات التي تعيد قدراً من التوازن إلى العلاقة. لذلك فإن إضعاف استقلال الدفاع لا يضرب المحامي أولاً، بل يضعف المواطن الذي يحتاج إليه. ولهذا فالحصانة المهنية لا ينبغي فهمها باعتبارها حماية للمحامي من القانون، بل حماية لوظيفة الدفاع من الخوف.
المحامي الذي يرتكب جريمة يجب أن يخضع للقانون مثل غيره. والمحامي الذي يسيء إلى الناس أو يخرق أخلاقيات مهنته ينبغي أن يساءل. لكن يجب الفصل بوضوح بين مساءلة المحامي عن التجاوز، وتحويل المساءلة إلى مصدر خوف يقيّد ممارسة الدفاع.
من المحامي الحر إلى المحامي المجرور
لا يلغي القانون رقم 66.23 استقلال المحاماة؛ بل يعلنه صراحة. وهذه نقطة ينبغي عدم إخفائها في أي نقد جاد. لكن المسألة التي تستحق النقاش هي أن القانون، في الوقت نفسه، يبني حول هذا الاستقلال منظومة واسعة من الرقابة والتبليغ والإحالة والطعن والتأديب، يكون للنيابة العامة داخلها موقع بارز. ومن هنا تظهر المفارقة: الاستقلال موجود في تعريف المهنة، لكن السؤال هو مقدار المساحة التي يتركها له نظام الرقابة في الممارسة. وهنا تكمن قيمة استعارة "المحامي المجرور". فالمحامي المجرور ليس من فقد استقلاله قانوناً بصورة صريحة، وإنما من أصبح استقلاله مكلفاً. وكلما ارتفعت كلفة الكلام والمواجهة والمبادرة المهنية، زادت جاذبية الحذر والصمت والامتثال. ولهذا ينبغي ألا يكون السؤال فقط: هل يحمي القانون استقلال المحامي؟ بل: هل يصنع القانون بيئة يستطيع فيها المحامي أن يمارس هذا الاستقلال دون خوف؟ فالعدالة لا تحتاج إلى محام فوق القانون، لكنها تحتاج إلى محام لا يخاف من استعمال القانون في مواجهة السلطة. وإذا أصبح ممثل الاتهام، الذي يقف أمامه المحامي في المحكمة، حاضراً أيضاً في محيطه التأديبي والمؤسساتي بهذه الكثافة، فإننا نكون أمام إشكال يتجاوز مصالح فئة مهنية إلى هندسة التوازن داخل العدالة نفسها. فالخطر ليس أن تقول السلطة للمحامي: اصمت. الخطر الأكبر هو أن يصبح المحامي، بحكم الخبرة المهنية، يعرف مسبقاً متى ينبغي أن يصمت من تلقاء نفسه. وعندها نكون قد انتقلنا، دون أن نعلن ذلك، من المحامي المستقل إلى المحامي المجرور.
ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي