✍️عبد الحق غريب
بعد نشر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة بالمغرب في الجريدة الرسمية، خرج وزير العدل ومعه بعض الأصوات المؤيدة له، ليؤكدوا أن نشر القانون في الجريدة الرسمية قد حسم الأمر، وأن النقاش انتهى، ولم يعد أمام المحامين سوى الامتثال لمقتضياته.
يقولون هذا الكلام وهم يعرفون جيدا أن هذا القانون لم يصل إلى الجريدة الرسمية في ظروف عادية.. فمنذ طرحه وأثناء مختلف مراحل مساره التشريعي، ظل محاطا بالتوتر والاحتجاجات والإضرابات، وقوبل برفض صريح من المحامين، كما لم يخضع، بحسب منتقديه، للمنهجية التشاركية التي كان يفترض اعتمادها في إعداد نص بهذه الأهمية.. دون الخوض في الجدل الذي أثارته إحالته على المحكمة الدستورية دون إرفاقه بالنص النهائي المصادق عليه في البرلمان.
لست محاميا، ولا أدعي امتلاك المعرفة القانونية المتخصصة، لكنني أود أن أتفاعل مع هذا الموضوع، من خلال استحضار واقعة من بلد ديمقراطي قريب منا، وهو فرنسا.
فماذا تقول لنا هذه الواقعة؟
في 10 أبريل 2006، شهدت فرنسا لحظة فارقة في تاريخها السياسي والتشريعي.
لحظة انتصرت فيها الإرادة الشعبية المتمثلة في الشارع والنقابات على قانون استكمل كافة مراحله الدستورية ونشر في الجريدة الرسمية للبلاد.
القصة باختصار..
كان القانون المعني هو "عقد العمل الأول" (CPE)، الذي طرحته حكومة دومينيك دو فيلبان في عهد الرئيس جاك شيراك، بهدف خفض معدلات البطالة مرتفعة المنسوب بين الشباب.
لكن النص التشريعي تضمن بندا أثار غضبا عارما، إذ أتاح لأرباب العمل فصل الموظفين دون سن السادسة والعشرين خلال العامين الأولين دون الحاجة لتقديم أي مبرر قانوني.
وقد ورد هذا المقتضى ضمن المادة 8 من قانون تكافؤ الفرص الفرنسي الصادر في 31 مارس 2006 (Loi pour l’égalité des chances).
رأت النقابات والجمعيات الطلابية في هذا البند ترسيخا للهشاشة الوظيفية وانتقاصا من حقوق العمال.. وعلى الرغم من صدور القانون رسميا برقم (2006-396) في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 أبريل 2006، إلا أن النشر لم يكن النهاية، بل كان بداية لشرارة احتجاجات وشلل تام شهدته المدن والجامعات الفرنسية بمشاركة الملايين.
وأمام شلل المرافق والتصعيد المتزايد، اضطرت السلطة التنفيذية للرضوخ..
وفي 10 أبريل 2006، أعلن الرئيس جاك شيراك تعليق وتوقيف العمل بالقانون وسحبه عمليا، ليتم استبداله لاحقا بنصوص تشجع تشغيل الشباب عبر حوافز مالية للشركات دون المساس باستقرارهم الوظيفي.
الخلاصة:
شكل تاريخ 10 أبريل 2006 تذكيرا دائما في الأدبيات السياسية الأوروبية بأن الشرعية البرلمانية للنصوص القانونية، وإن اكتملت شكليا بالطباعة والنشر في الجريدة الرسمية، تظل بحاجة إلى "شرعية مجتمعية" تقيها من الرفض والتجميد تحت ضغط الميدان.