رشيد الزكراوي
.
صدر حديثا للباحث (الفسفاطي) عبد الرحيم بودلال، عن دار الإحياء للنشر والتوزيع كتاباً بعنوان «سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب: المكتب الشريف للفوسفاط نموذجاً»، يتناول تاريخ العمل النقابي داخل واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية في المغرب، مع تركيز خاص على تجربة الجرف الأصفر، باعتبارها إحدى أبرز المحطات في تاريخ الحركة العمالية والنقابية بقطاع الفوسفاط.
يقدم الكتاب مادة توثيقية وتحليلية تسعى إلى حفظ جانب من الذاكرة الفوسفاطية، من خلال الانتقال من تاريخ المؤسسة بمعناه التقني إلى دراسة أبعادها الاجتماعية والسياسية، ومسارات نضالات العمال، والتحولات التي عرفتها العلاقة بين الإدارة والعمل النقابي.
بحث يسعى إلى توثيق الذاكرة الفوسفاطية:
يركز الباحث في هذا العمل على توثيق الذاكرة العمالية داخل المكتب الشريف للفوسفاط، وسد الفراغ الذي يلاحظه في الدراسات العلمية المتخصصة في تاريخ العمل النقابي بقطاع الفوسفاط.
ولا يقتصر الكتاب على سرد الأحداث، بل يحاول مقاربة الدور الذي لعبته النقابة في التغير الاجتماعي وتحديث المجتمع، من خلال رصد تطور الوعي العمالي وأشكال التنظيم والنضال، وتحول العلاقة بين العمال والإدارة عبر مراحل تاريخية مختلفة.
الرواية الشفهية في مواجهة ندرة الوثائق:
اعتمد الباحث في إنجاز دراسته على مجموعة من الأدوات المنهجية، في مقدمتها المقابلات العلمية مع عدد من الفاعلين النقابيين الأوائل والمؤسسين، خاصة في ظل محدودية الكتابات التاريخية التي تناولت التجربة النقابية داخل قطاع الفوسفاط.
كما استعان بتقنية المقابلة البؤرية (Focus Group) بهدف مقارنة الروايات وتدقيق التواريخ والتحقق من المعطيات، إلى جانب توظيف الرواية الشفهية باعتبارها وسيلة أساسية لحفظ الذاكرة العمالية واستعادة تفاصيل مراحل لم تحظ بتوثيق كاف.
بنية تجمع بين السوسيولوجيا والتاريخ النقابي:
يتوزع الكتاب على مجموعة من المحاور التي تجمع بين الإطار النظري والدراسة التاريخية والميدانية. ويستعرض المؤلف المنهج العلمي المعتمد والدراسات السابقة، قبل الانتقال إلى الإطار النظري المتعلق بسوسيولوجيا العمل النقابي وعلاقته بالتغير الاجتماعي ونظرية المجتمع المدني.
كما يتوقف عند تاريخ الحركة النقابية المغربية، منذ بدايات التنظيمات المهنية، مرورا بمرحلة الاستقلال، وصولا إلى التحولات التي عرفها العمل النقابي في العهد الحالي.
ويخصص الكتاب حيزا لدراسة سوسيولوجيا العمل النقابي داخل المكتب الشريف للفوسفاط، من خلال رصد الظروف الاجتماعية خلال فترة الاستعمار وما بعد الاستقلال، ثم التحولات المرتبطة بانتقال المؤسسة إلى شركة مساهمة.
الجرف الأصفر… مسار نقابي عبر أربعة عقود:
يشكل نموذج الجرف الأصفر بالجديدة أحد أهم المحاور الميدانية في الكتاب، حيث يقدم الباحث قراءة كرونولوجية لتطور العمل النقابي بالموقع، مقسما التجربة إلى مراحل أساسية.
وتعود المرحلة الأولى إلى الفترة الممتدة بين 1986 و1992، التي تزامنت مع بداية تأسيس المصنع وظهور الإرهاصات الأولى للعمل النقابي، في ظل ظروف اتسمت بالقمع الإداري الشديد.
أما المرحلة الممتدة بين 1992 و1996، فقد شهدت بداية التنظيم ودخول جيل جديد للعمل النقابي لديه تكوين جامعي وسياسي، خاض معارك نضالية بقيت موشومة في الذاكرة الفسفاطية. وخلال الفترة الممتدة بين 1996 و2005، اتسمت بالحوار الاجتماعي وتحقيق بعض من المطالب العمالية
ويرصد الكتاب مرحلة التحول الكبرى منذ سنة 2006، مع تعيين مصطفى التراب، وما رافق ذلك من بداية مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز السلم الاجتماعي واعتماد مقتضيات مدونة الشغل.
كما يتوقف الباحث عند مجموعة من التحولات التي عرفتها الحياة المهنية والاجتماعية داخل المؤسسة، من بينها إلغاء مظاهر التمييز في بين الأطر والعمال، باعتبار ذلك جزءا من التحولات التي مست العلاقة بين مختلف الفئات المهنية داخل المؤسسة.
من الملفات الاجتماعية إلى الشراكة:
ولا يقتصر الكتاب على تاريخ التنظيمات والنضالات النقابية، بل يتناول كذلك مسار عدد من الملفات الاجتماعية التي شكلت موضوعا أساسيا في العلاقة بين النقابة والإدارة، من بينها التغطية الصحية، والترقية، والسكن الاجتماعي، والخدمات الفندقية.
ومن خلال تتبع هذه الملفات، يرصد المؤلف التحول التدريجي في أدوات العمل النقابي، من مرحلة ارتبط فيها النضال أساسا بالمطالب المعيشية المباشرة، أو ما يمكن وصفه بـ "النضال الخبزي"، إلى مرحلة أصبحت فيها النقابة طرفا في الحوار والشراكة الاستراتيجية حول تدبير المؤسسة وتطويرها.
ذاكرة نقابية للأجيال الجديدة:
تكمن أهمية الكتاب أيضا في كونه يوفر للأجيال الجديدة من العاملين بقطاع الفوسفاط مادة توثيقية حول مراحل لم يعايشوها، ويقربهم من ظروف تأسيس العمل النقابي ومسارات النضال العمالي والتحولات التي عرفتها المؤسسة عبر العقود.
كما يمثل العمل، في جانب منه، تكريما لرموز العمل النقابي بالجرف الأصفر، من خلال استحضار مساراتهم وتجاربهم النضالية، وما ارتبط بها من مطالب ومبادرات ساهمت في تحسين الظروف الاجتماعية والمهنية لآلاف العمال.
وبذلك، لا يقدم «سوسيولوجيا العمل النقابي بالمغرب: المكتب الشريف للفوسفاط نموذجاً» مجرد تاريخ للحركة النقابية داخل مؤسسة اقتصادية، وإنما يحاول قراءة التحولات التي عرفها المجتمع العمالي نفسه، من خلال تجربة الفوسفاط والجرف الأصفر، وما تكشفه من انتقال تدريجي من الصراع الاجتماعي إلى الحوار، ومن المطالبة بالحقوق الأساسية إلى بناء علاقة أكثر مؤسساتية بين النقابة والإدارة.