أعمدة الرأي

هوامش على دفتر الزمن القروي

الأربعاء 16 سبتمبر 2026 11:51 0 تعليق admin
هوامش على دفتر  الزمن القروي


يمكننا أن نعرف الزمن المكيَّف بأنه ذلك الزمن الذي لا يُنظر إليه كساعات ودقائق، بل كما يعيشه الإنسان ويختبر، تماماً كالزمن النفسي الذي لا يُقاس بالدقائق والساعات.


تربوياً، الزمن المكيَّف هو تدبير مرن للزمن المدرسي، يراعي حاجات المتعلم وخصوصيات التعلم والظروف المحيطة، بهدف جعل الزمن أداة لتحسين جودة التعلمات، وليس مجرد إطار زمني للحصص.

ويطبق الزمن المكيف في الوسط القروي، من أجل محاربة الهدر المدرسي، وتخفيف عبء التنقل، لكن يحدث - ويا المصادفة السعيدة!- أن تعيش رفاهية هذا الزمن القروي في هذا "الفيلاج" الكبير، بسبب سوء حظ تلاميذ لا ذنب لهم في تأخر أشغال بناء إعدادية لا علاقة لهم بها نهائيا، ولا يحق لهم متابعة دراستهم بها، ويدفعون ثمن قرار صادر من مكتب مكيف لم يسبق لرئيس المصلحة أن جرب البقاء خمس ساعات في مكتبه.. علما أن هذه الوزارة لا تكف عن التغني بالمصلحة الفضلى للتلاميذ!

لهذا فأنت غير مطالب بأن تعلن عن تذمرك، لن يحتج أي أحد غيرك، لا سيما وقد بدأ موسم التملق للأستاذات، ومن اعتادت على مجاملة أستاذة بـ (طبسيل ديال المسمن) لن تستوعب التأثيرات التربوية والنفسية للزمن القروي، حيث يشعر الطفل بالإجهاد الذهني، حيث يجد صعوبة بالغة في التركيز لأكثر من 3 إلى 4 ساعات مسترسلة، والجلوس الطويل يسبب له خمولاً أو تشتتا، كما أن تغيير الإيقاع البيولوجي: تقديم وجبة الغداء أو تأخيرها، وتغيير مواعيد النوم والاستيقاظ يؤثر على طاقة الطفل ونموه البدني.


ولتحقيق التوازن بين مصلحة الطفل والتحصيل الدراسي، ينصح خبراء التربية بتنويع الأنشطة، أي الانتقال من المواد الصعبة التي تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً (كالرياضيات والقراءة) إلى أنشطة تفاعلية أو فنية ورياضية لتجديد طاقة الطفل، ويستحسن برمجة المواد المعقدة في الساعات الأولى من الفترة الصباحية، حيث تكون اليقظة الذهنية في ذروتها، وتجنبها مباشرة بعد الزوال، وأن توزع ساعات التحصيل الدراسي الخمس، بطريقة بيداغوجية تتخللها فترات راحة وأنشطة حركية. ومع ذلك، علما أن قدرة الطفل على الاستيعاب والتركيز المستمر تختلف تماماً عن مجرد "الوجود" داخل الفصل الدراسي

حسنا، يمكننا أن نقفز فوق كل هذا الهراء، ونعقد مقارنة بسيطة جداً بين استعمالي زمنين مختلفين في المؤسسة التعليمية ذاتها، دعنا أو نستعير دعونا نتبادل الأدوار، حتى لا يغضب أصدقائي الأساتذة من تعبير ساخر، تعمدت ألا أشير إلى أنه كان هدية في حفل توزيع النتائج، ويحضرني، الآن.. هنا، تعبير بليغ لمحمود درويش: "دعنا نتبادل الأدوار.. أنت تنتظر وأنا لا أعود!؛ تلاميذ الابتدائي يدرسون خمس ساعات متواصلة يوميا، بالتناوب مع تلاميذ السلك الإعدادي الذين يدرسون أربع ساعات فقط، وهنا نتذكر مطلب اعتماد السبت عطلة أسبوعية لأساتذة التعليم الابتدائي، مع تقليص ساعات التدريس الأسبوعية في الابتدائي ورفع الحيف والتمييز مقارنة مع باقي الأسلاك، مع احترام مدة التدريس القانونية المحددة في 18 ساعة و15 دقيقة موزعة على خمسة أيام، بما لا يتجاوز 3 ساعات و45 دقيقة يوميًا، مع العلم أن أساتذة التعليم الابتدائي يشتغلون 30 ساعة أسبوعياً (بما فيها 4 ساعات تضامنية)، مقارنة بـ 24 ساعة لأساتذة الإعدادي و21 ساعة للتأهيلي. هذا التفاوت يغذي شعوراً مزمناً بالحيف المهني، ويطرح سؤال الإنصاف داخل هيئة التدريس نفسها.

الزمن المدرسي أداة، وليس غاية. عندما يُعامل كحل إداري مؤقت لنقص القاعات أو تأخير البنيات، يفقد معناه التربوي، ويدفع الطفل الثمن مرتين: مرة في الإرهاق اليومي، ومرة في جودة التعلمات.


✍️ هشام بن الشاوي


(كاتب وروائي من أسرة تحرير الجريدة)

admin

admin

كاتب في الجديدة 24

مشاركة:

مقالات ذات صلة