ليس المواطن المغربي ذلك البطل الثوري الذي ينتقل في حياته اليومية من قرار مصيري إلى آخر، في مواجهة الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة، وفي مواجهة النظام السلطوي الذي يمتلك الدولة الحديثة ويوظف الدعاية الإعلامية والمال والمدرسة. وليس ذلك الانسان الذي يحمل هويته وقيمه وأفكاره معه طوال حياته دون تغيير. ولا يمكن تقسيم المواطنين بين متحمس للنظام السياسي القائم والمؤيد له والطيع، وبين مقاوم له ومعارض، كون الناس العاديين يشكلون كتل واضحة كما هي الحكومة والمعارضة. قد يتصرف المغربي بموجب قناعاتهم الخاصة، وقد يلائم تصرفاتهم وفق مواقف جديدة تخدم مصالحه، أو قد يغير سلوكه نتيجة ضغط مورس عليه بالقوة. ينطلق هذا المقال من إشكالٍ عام حول علاقة السلوك السياسي بالأخلاق العمومية، ليجيب عن سؤال: لماذا يتصرف المواطنون المغاربة أفراداً وجماعات سياسيًا بالطريقة التي يفعلونها؟
يمكن للمواطن المغربي القيام بخطوات مهمة لها علاقة بالشأن العام توافق قناعاته، يعبر عنها بصوت عالٍ، أو عبر المشاركة السياسية على نحو أكثر فاعلية. وقد يكون أكثر استجابة لتحدي الخيارات المطروحة حين يكون الوازع الأخلاقي لديه قوياً، أو عند المَس بكرامته وشرفه، أو عند الإحساس العميق بالغبن والظلم، وأحياناً حين يقتنع بوجود علاقة بين الموقف والسلوك السياسي والمصلحة. ويزداد احتمال تعرض الإنسان العادي لمثل هذه الخيارات المفصلية إثر الأزمات الاقتصادية، أو الثورات والتحولات الكبرى في نظام الحكم، التي قد تؤثر في مصيره الشخصي أو مصير عائلته؛ عندما يشعر أن نظام الحكم القائم ضعيف ويوشك أن على الانتهاء، عندئذ يمكن له اتخاذ مواقف ديمقراطية شجاعة من دون خوف من السلطات القائمة، لأن الخطر قد زال أو هو في مرحلة الزوال.
لذلك يصعب ربط المواقف والقيم الناتجة عن بحث كمي ميداني سوسيولوجي راهني، أو استقصاء إعلامي لحظي بالمعاني الثقافية المستخلصة وفق منهج كيفي تأويلي، ثم الخروج باستنتاج يقول إن القيم تشكل سلوكاً سياسياً يؤثر على المستوى الماكروي للسلطة. بينما على العكس، يمكن استخلاص القيم والثقافة من السلوك السياسي المباشر، ومنه يكون السلوك الانتخابي هو المتغير المستقل بينما تكون القيم المتغير التابع، حيث يمكن للباحث أن ينطلق من السلوك من أجل أن يستنتج طبيعة القيم والثقافة عموماً. في هذه الحالة يكون السلوك هو المولد لقيم جديدة، وهو ما تفعل الأنظمة السلطوية عندما تطُول أعمارها، أو أنه يوجد تأثير وتأثر بينهما وفق تفسير دائري. أما إذا كانت السلوك الانتخابي مستخلص من التأويل السيميولوجي أو بمناهج أنثروبولوجية أمبيريقية ضاربة في العمق فإن النتائج ستكون صحيحة.
يتولد السلوك الانتخابي الملائم للديمقراطية من استغلال الآليات القائمة في النظام الديمقراطي نفسه، مثل حرية التعبير والتجمهر والتحزب وفصل السلط، والمشاركة السياسية التي يشجع عليها هذا النظام. هذه الآليات هي مصدر تغذية للثقافة السياسية الديمقراطية، ومصدر الحفاظ على النظام حتى حين يمر بأزمات اقتصادية واجتماعية حادة وحروب. ووجود ثقافة مواطنية منتشرة مساندة للديمقراطية يحبط محاولات قوى معادية للديمقراطية استغلال الأزمات للانقلاب على النظام والرجوع للسلطوية.
يعمل أي نظام سلطوي من خلال مناهج التعليم والدعاية الإعلامية والمراقبة وفرض الولاءات إما بالترغيب أو الترهيب، وفرض علاقات الزبونية والاسترزاق، على خلق ثقافة سياسية ملائمة له، وقد يصل تشويه الحس المشترك والأخلاق العمومية إلى درجة عرقلة بناء النظام الديمقراطي لاحقاً بسبب وجود وفرة في أدوات إعادة الإنتاج. كما ينتج ذلك عدم الثقة بالسياسة وبمؤسسات الدولة وبالآخر المختلف، والسعي ما أمكن لضمان المصلحة الشخصية بأية وسيلة ممكّنة ضمن عملية مزاحمة مكثفة وتدافع ومحاصصة في المجال العام، تشمل التسابق إلى بناء علاقات شخصية مع موظفي الدولة القادرين على المساعدة، وتأمين الوساطات ومحاولة الحصول على الرخص والمنح المجانية والاستفادة من الريع الموجود.
ثم النفاق، بإظهار الإنسان ما لا يبطن، وإخضاع الوظائف ذات المسؤولية العمومية الاجتماعية لأغراض الكسب عبر تجليات متعددة للفساد، والإيمان بأن الكفاءة ليست المعيار في الولوج للوظيفة العمومية. ثم إهمال المرافق العمومية والتعامل معها كأنها بدون قواعد، والتعامل مع المؤسسات العمومية بوصفها إما غنيمة يجب الحصول عليها أو عدواً وجب محاربته. فإذا انتشرت هذه الأخلاق العمومية والتي في الغالب تؤثر على الثقافة السياسية والسلوك الانتخابي؛ فإنه يصبح من الصعب بناء مؤسسات معتمدة على مشاركة الجميع في انتخاب السلطات، وإقامة الاتحادات والجمعيات والأحزاب، وفرض الرقابة على مؤسسات الدولة. في هذه الحالة يصبح المناخ العام ملوثاً ولا يسمح ببناء الديمقراطية، إلا بوجود أوساط متحررة من بعض النخب، التي يمكن لها أن تقود النضال من أجل الديمقراطية وتعيد بناء المشترك العقلاني.
في تفسير السلوك الانتخابي للمواطن المغربي، نجد مقاربات كثيرة، منها ما يعزي ذلك لما هو ديني مرتبط بتوفر النسب الشريف أو البركة لدى المنتخب، أو بتوجيه المريدين من طرف الزوايا للتصويت على شخص أو حزب معين، أو بربط التعاقد بقراءة القرآن جماعة، وقد ذكر واتربوري في "أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية في المغرب" أسلوباً كان يعتمده الأعيان، اعتمده أيضا المحجوبي أحرضان لاستمالة الناس العاديين وبعض الوجهاء وضمان ولاءاتهم السياسية، حيث بعد الفراغ من تناول وجبة العشاء، كان يطلب منهم تقديم "العهد" له، أي الالتزام بالتصويت والدعم له ولباقي أعضاء حزبه، ثم الختم بقراءة الفاتحة جماعة لتوثيق هذا الاتفاق و"الميثاق الغليظ "وإضفاء الشرعية الدينية عليه، ما يجعل التراجع عن التصويت بمثابة إخلال بالقسم.
ثم توجد قيم أخرى غير دينية تجعل المواطن المغربي يصوت لشخص أو لجهة معينة؛ وهي وجود روابط القرابة العائلية والقبلية والمناطقية بين المواطن والمرشح، تقدم هذه الروابط الهوية الجماعية على الهوية الوطنية، حيث يصوت الناس لأقاربهم لأسباب إما عصبية متعلقة بدعم العائلة الممتدة وتقويتها، أو محاولة الحصول على الفرص والخدمات العمومية من خلال توسيع عمل القبيلة والعائلة، أو للرغبة في جلب المنافع والاستثمارات للمنطقة بدل السماح لجهة أخرى بأخذها، وقد ظهرت في المغرب مدناً جديدة بناها أعيان ونافذين في الدولة، ومدن توسعت كثيراً بجلب الاستثمارات والمشاريع. بذلك يكون التكتل العائلي والقبلي حول مرشح واحدٍ أفضل من تفريق الأصوات بين مرشحين كُثر، فتضيع القدرة والاستئثار.
ثم يوجد دوافع أخرى، وهي دوافع نفعية محضة، تتعلق بمحاولة الناخب الحصول على مقابل مادي، إما ببيع صوته بمقابل مالي، أو المشاركة في الحملة لقاء أجر يومي مرتفع، أو من خلال العمل كسمسار انتخابات يقوم بضمان أصوات كثيرة للمرشح يكون له حظ منها. وهي كلها منافع لحظية يجنيها المواطن لمجرد عمله. أو من خلال وعده بالوظيفة في حالة فوز المرشح، أو بقضاء بعض الأغراض العائلية الأخرى، وأحياناً بتقديم خدمات في المستقبل، وهي وعود غالباً ما يُتراجع عنها عقب فوز المرشح مباشرة. اعتبر بعض الباحثين هذا السلوك الانتخابي النفعي سلوكاً عقلانياً، وهو خلط واضح بين مفهوم العقلانية والبرجماتية.
لذلك، يتم مقارنة السلوك الانتخابي للمواطن المغربي بالسلوك العقلاني للمواطن الغربي الذي ترعرع في ظل الديمقراطية والدولة الحديثة، والذي تحدده سلوكه نظرية "الاختيار العقلاني"، ترى أن الدوافع والقيم والتوجهات الأيديولوجية والهوياتية والطبقية، مثل الرغبة في العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز قيم المواطنة، والحفاظ على الاستقرار، هي المحدد للسلوك السياسي. يستعمل المواطن الغربي في ذلك أدوات ومؤشرات أمبريقية في تقييم البرامج الانتخابية المرشحة، وتقدير أي من المرشحين أو الأحزاب أقدر على تحقيق رغباته وأهدافه بأقل تكلفة ممكنة سياسية أو اجتماعية وفق منطق واضح للحكامة. يتم الاختيار في ظل المعرفة الواضحة وتعظيم المنفعة، كما لدى الناخب توجهات أيديولوجية ترعرع عليها وهو وفي لها. يتحقق التفسير العقلاني للتصويت عندما تكون غاية المصوت الوصول إلى المنفعة المباشرة مثل الرضا عن أداء الواجب الوطني والسياسات العمومية، وتعزيز الانتماء، وتجنب الشعور بالذنب والتذمر، وحماية الخير العام.
ما لم يفهمه بعض الباحثين، أن السلوك العقلاني للمواطن الغربي لا ينفصل عن نظرية شاملة في المجتمع والدولة، وهي عقلنة للحياة السياسية والاجتماعية، وذلك بعقلنة الاقتصاد الرأسمالي والبيروقراطية ونزع الأسطرة عن الزعامات السياسية التقليدية، والانتقال من الحق الإلهي للحق البشر، وتحقق العقد الاجتماعي عبر مؤسسات الدولة المحتكرة للعنف المشروع، بتوفر الحريات العامة وفصل السلط وسمو القانون. بذلك تتأسس الهوية الوطنية على روابط اجتماعية جديدة مبنية على قيم المواطنة، التي تساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، والتي تسمح بمشاركة سياسية واسعة وتحفظ التعددية الثقافية، تؤسس لمجال سياسي جديد مبني على التفاعل والتواصل والتعاون وتبادل المصالح والاعتراف، يتجاوز بذلك الروابط التقليدية سواء الدينية أو الإثنية.
في ربط كل ذلك بالسلوك الانتخابي للمواطن المغربي؛ فإن تفسير السلوك الانتخابي بالاعتماد على الثقافة المحلية بدل الثقافة المواطِنة، كون المواطن يقوم بالتصويت على الشخص من العائلة والعين بدل التصويت على البرنامج الانتخابي وعلى الحزب والأيديولوجيا، وكونه يفضل الانتماء للمنطقة والقبيلة على الانتماء للدولة وفق الرؤية الليبرالية أو الانتماء للطبقة الاجتماعية وفق الرؤية الاشتراكية. هذا التفسير يجعل الثقافة المحلية هي المفسرة للسلوك الانتخابي، فيتم تغييب دور النظام السلطوي في تكريس الجهل والتدين الطقوسي وعرقلة التحديث، بالإضافة إلى ضعف الخدمات وغياب التنمية المحلية. هذه المقاربة تجعل من الثقافة هي الأصل والسياسة تبعٌ لها، رغم أنها ثقافة مصطنعة وليدة نظام سلطوي وليست بثقافة أصيلة، أو ثقافة جوهرية لا تتغير ولا تتبدل رغم كل سيرورات التحديث.
كما تغفل هذه المقاربة عامل التفاعل بين السلوك الانتخابي والظروف المختلفة، وترى أن الفرد المغربي يتصرف في بيئة سليمة و"ديمقراطية" ويتمتع بكامل الحرية ولديه كل الخيارات ويتمتع بالعيش الكريم، ومع ذلك هو يتصرف سياسياً وفق ما تمليه عليه ثقافته التقليدية، لذلك أي محاولة للإصلاح المؤسسي ستكون عديمة الجدوى حتى يتغير الشعب بأكمله، وهو شرط تعجيزي يُعطل كل ديناميات إصلاحية. في حين يمكن فهم علاقة السلوك بالثقافة من خلال فهم تفاعلها مع الظروف والمصالح وفق ديناميات متعددة، بالنظر إلى تأثرها بالظروف الاقتصادية وبالنظام السياسي القائم، وسياساته العمومية التي تنتج الفقر والأمية وتهمش الفضاء العمومي وتضعف الأحزاب السياسية وتقلل من المشاركة السياسية.