ليست مجرد أرقام تلك التي أفرزتها صناديق الاقتراع بإقليم الجديدة، بل هي تحول انتخابي يعيد رسم خريطة التمثيلية السياسية في واحد من أكبر أقاليم جهة الدار البيضاء سطات.
النتائج النهائية التي أعلن عنها بعمالة الإقليم، والتي منحت ستة مقاعد برلمانية لكل من مبارك طرمونية ومحمد مهذب ومحمد لمخنتر ومصطفى مرشيد ورفيق بناصر وأيمن بايزيد، تخفي وراءها حقيقة انتخابية لافتة: القرار الانتخابي لم يعد يصنع داخل المدار الحضري وحده، بل أصبح للبادية وزن حاسم في تشكيل التمثيلية البرلمانية للإقليم.
فالتحليل المجالي للأصوات يكشف أن الثقل الانتخابي للعديد من الفائزين جاء بدرجة كبيرة من العالم القروي. الثلاثي الذي تصدر المشهد، والمتمثل في مبارك طرمونية عن حزب الاستقلال بحوالي 40 ألف صوت، ومحمد مهذب عن الأصالة والمعاصرة بحوالي 20 ألف صوت، ومحمد لمخنتر عن الحركة الشعبية بحوالي 12 ألف صوت، لم يحسم مقاعده من داخل مدينة الجديدة، بل من جماعات تعتبر معاقل انتخابية مهمة، كأولاد فرج والقواسم وخميس متوح وبولعوان وسيدي إسماعيل وسبت سايس ومكرس وحد أولاد عيسى.
المفارقة لا تتوقف عند هذا الثلاثي، بل تمتد لتشمل باقي الفائزين. فرفيق بناصر عن التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على حوالي تسعة آلاف صوت، استمد جزءاً مهماً من قوته من جماعات مثل أولاد غانم وسيدي محمد أخديم وسيدي علي بن حمدوش، وهي مناطق قروية. ونفس الأمر ينطبق على أيمن بايزيد عن التقدم والاشتراكية، مفاجأة هذه الدورة، الذي حصد حوالي تسعة آلاف صوت من مناطق من بينها اثنين شتوكة وأولاد رحمون والحوزية.
أمام هذه الهيمنة القروية التي حسمت خمسة مقاعد من أصل ستة، يبرز اسم واحد كاستثناء واضح للمشهد الحضري. إنه مصطفى مرشيد عن حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على حوالي أحد عشر ألف صوت، وجاء جزء كبير من رصيده من داخل مدينة الجديدة، ليكون بذلك أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالكتلة الحضرية في هذه التشكيلة البرلمانية.
لكن لفهم هذه النتيجة، لا بد من العودة إلى الأرقام الديموغرافية للإقليم. فحسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يبلغ عدد سكان إقليم الجديدة 914,367 نسمة، منهم 538,219 نسمة في الوسط القروي، أي 58.9%، مقابل 376,148 نسمة في الوسط الحضري، أي 41.1%.
وتكشف هذه الأرقام أن المسألة لا ترتبط فقط بنسبة المشاركة الانتخابية، وإنما أيضاً بالبنية السكانية للإقليم نفسه. فمدينة الجديدة تضم حوالي 236 ألف نسمة، وأزمور حوالي 42 ألفاً، والبئر الجديد حوالي 30 ألفاً، أي أن المدن الثلاث تتجاوز مجتمعة 308 آلاف نسمة، في حين يظل الوزن الديموغرافي للمجال القروي أكبر على مستوى الإقليم ككل.
وهنا تظهر المفارقة السياسية: إقليم يضم كتلة حضرية تفوق ثلاثمائة ألف نسمة في مدن الجديدة وأزمور والبئر الجديد، بكل ما تحمله من قضايا مرتبطة بالبطالة والنقل والصحة والسكن والتنمية، يجد نفسه ممثلاً بستة برلمانيين كان للرصيد الانتخابي القروي وزن بارز في وصول أغلبهم إلى البرلمان.
وفي المقابل، سجل المجال الحضري نسب مشاركة لم تكن كافية، وفق هذه القراءة، لمعادلة الثقل الذي أحدثه التصويت في الجماعات القروية. وهو ما يجعل العزوف الحضري أحد المفاتيح الأساسية لفهم الخريطة الجديدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود سبب واحد يفسر سلوك الناخبين.
فهل نحن أمام احتجاج صامت لجزء من ساكنة المدينة التي لم تجد نفسها معنية بما يكفي بالعرض السياسي؟ أم أن الأحزاب فشلت في ابتكار خطاب تعبوي قادر على استعادة الناخب الحضري؟ أم أن التنظيم الانتخابي والامتداد الاجتماعي والعائلي في عدد من الجماعات القروية لعب دوراً أكبر في حسم النتائج؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ستنعكس هذه الخريطة الانتخابية على طبيعة الملفات التي سيحملها برلمانيو الإقليم إلى الرباط؟ فالإقليم ليس قرية كبيرة ولا مدينة واحدة، وإنما مجال يجمع بين مدينة ساحلية كبرى، ومراكز حضرية، ومناطق قروية واسعة، وميناء وصناعة وفلاحة وسياحة، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي للمنتخبين الستة سيكون في ترجمة هذا التنوع المجالي إلى أولويات متوازنة في البرلمان.
المؤكد اليوم أن من خرج للتصويت هو من قرر. البادية صوتت بقوة، والمدينة لم تعبئ كل وزنها الانتخابي، والنتيجة كانت برلمان إقليم الجديدة للخمس سنوات القادمة.
✍️ حسن بنوقاص