✍️ ابراهيم عروش الدريسي
إذا كان البحر قد أعطى الجديدة وجهها، فإن الفرس أعطاها جزءاً من روحها.
فمن الصعب أن نتحدث عن دكالة، عن قبائلها ومواسمها وأعراسها وذاكرتها القروية، دون أن نسمع في الخلفية وقع حوافر الخيل، وصيحة العلام ، ثم طلقة البارود التي يحاول فرسان السربة أن يجعلوا منها صوتاً واحداً.
علاقة الدكالي بالفرس ليست علاقة متفرج بفرجة موسمية، بل علاقة قديمة جمعت بين الحاجة والهيبة والاحتفال. كان الفرس وسيلة للتنقل، وحاضراً في حياة القبيلة والبادية، ثم تحول مع الزمن إلى عنوان للفروسية والشجاعة والوجاهة، وإلى تراث يتوارث حبه الأبناء عن الآباء.
الفرس والقبيلة , أكثر من مجرد دابة
في دكالة لم يكن السؤال دائماً: شكون مول الفرس؟ ، بل كان أيضاً: ديال أي قبيلة هاد السربة؟ .
فالفرسان حين يدخلون المَحْرَكْ لا يدخلونه بأسمائهم فقط، بل يحملون معهم اسم الجماعة والقبيلة والمنطقة. اللباس، والسروج، والبنادق، وطريقة الاصطفاف، وقيادة العَلّامْ للسربة، كلها تجعل التبوريدة تعبيراً عن الانتماء بقدر ما هي استعراض للمهارة والفروسية.
ولهذا حافظت قبائل دكالة على علاقتها بالفرس حتى بعد أن انتهى زمنه في الحرب والنقل والعمل اليومي.
انتهت الوظيفة، وبقي الرمز.
وقد أدرجت اليونسكو التبوريدة سنة 2021 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، باعتبارها فناً متوارثاً ترتبط فيه أزياء الفرسان وزينة الخيول بهوية القبيلة أو المنطقة، وتحاكي بعض حركاتها الاستعراضات العسكرية القديمة.
ومن الفارس إلى الفارسة
لكن ذاكرة الفرس في دكالة لم تكن حكراً على الرجال.
فالمرأة الدكالية لم تكن بعيدة عن الفرس في الأصل. في البادية كانت تعرفه وتراه في البيت والحقل والموسم، وتعيش وسط بيئة كان الحصان جزءاً منها، وإن ظل ظهورها فوق السرج وفي فضاءات الاستعراض أقل بكثير من حضور الرجل.
ومع تطور الفروسية بالمغرب، بدأت المرأة تلج مجالات ظلت زمناً تُقدَّم باعتبارها رجالية؛ من ركوب الخيل والفروسية الرياضية إلى التبوريدة.
وهنا حدث تحول جميل في الصورة.
الجدة كانت تنتظر عودة الفرسان من المحرك ، والأم كانت تهيئ لباس الموسم وتتابع السربة، أما الحفيدة فأصبح بإمكانها أن تضع قدمها في الركاب وتمسك اللجام وتصعد إلى السرج.
الفرس نفسه ، لكن الزمن تغيّر.
وولوج المرأة عالم الفروسية لم يسلب هذا التراث هويته، بل أضاف إليه وجهاً جديداً؛ فبنت دكالة التي تمتطي الفرس اليوم لا تقطع مع ذاكرة أجدادها، وإنما تدخل إليها من باب ظل طويلاً أضيق أمام النساء.
موسم مولاي عبد الله ، حين تأتي دكالة بخيلها
ولعل أكبر مسرح للعلاقة بين دكالة والفرس يظل موسم مولاي عبد الله أمغار.
فالموسم لم يكن مجرد زيارة لضريح أو سوق أو مناسبة للفرجة، بل موعداً تلتقي فيه القبائل والعائلات والفرسان. تنصب الخيام، ويأتي الضيوف، وتحضر السربات بخيولها وسروجها ومكاحلها، ويتحول المحرك إلى ساحة للفروسية والانضباط والتنافس.
كما ارتبطت التبوريدة في الذاكرة القروية بنهاية الموسم الفلاحي والاحتفال بالمحصول، قبل أن تصبح اليوم فناً منظماً له مسابقاته وقواعده ومواعيده.
ومع اتساع شهرة موسم مولاي عبد الله، لم تعد السربات القادمة إليه دكالية فقط، بل أصبح الموعد يستقطب فرساناً وخيولاً من مناطق مختلفة من المغرب.
ومع ذلك، يظل الفرس في هذا الموسم قبل كل شيء ابن الأرض الدكالية وذاكرتها.
الحريسة الوطنية ، حين أصبح للذاكرة عنوان
وإذا كان ًالمحرك يحفظ صورة الفرس في الذاكرة الشعبية، فإن الحريسة الوطنية بالجديدة تمثل الوجه المؤسساتي لتربية الخيل والمحافظة على سلالاتها.
وترتبط الحريسة بإنتاج الخيول وتربيتها وتأطير قطاعها، وتحضر فيها بصورة خاصة سلالات البربري والعربي-البربري، إلى جانب العربي الأصيل والأنغلو-عربي والإنجليزي الأصيل وغيرها من الخيول الموجهة للتربية والرياضة.
وتحتضن الجديدة كذلك مسابقات خاصة بتربية الخيول وانتقاء أجودها، وهو ما جعل علاقتها بالفرس تتجاوز الفرجة والتبوريدة إلى التربية والتحسين والمحافظة على الموروث الفروسي.
وهل توجد سلالة دكالية؟
هنا ينبغي التمييز بين الخيل التي تربى في دكالة وبين ًالسلالة الدكالية بالمعنى العلمي.
فليس كل حصان ولد أو تربى في دكالة سلالة مستقلة تحمل اسم المنطقة.
والسلالتان الأكثر التصاقاً بالموروث التقليدي هما الحصان البربري (Barbe) والعربي-البربري (Arabe-Barbe)، لما يتميزان به من قدرة على التحمل وصلابة وتكيف مع ظروف المنطقة، وهما من الخيول الحاضرة بقوة في الفروسية التقليدية.
كما يحضر الحصان العربي الأصيل في التربية والعروض والمسابقات، إلى جانب سلالات أخرى مرتبطة بالسباقات والفروسية الرياضية والقفز على الحواجز.
وهكذا أصبح عالم الخيل في الإقليم أوسع من حصان التبوريدة، وإن ظل البربري ، والعربي-البربري الأقرب إلى الصورة التي رسختها البادية الدكالية في ذاكرتها.
من موسم الفرس إلى مدينة الفرس
ثم حدث تحول آخر.
لم يعد الفرس يأتي إلى الجديدة فقط مع موسم مولاي عبد الله والبارود والخيام، بل أصبحت الجديدة نفسها موعداً وطنياً ودولياً لعالم الخيل.
فمنذ سنة 2008 تحتضن المدينة معرض الفرس، حيث اجتمعت التبوريدة وتربية الخيول والعروض والمسابقات والفروسية الرياضية والقفز على الحواجز، وأصبحت المدينة تستقبل المربين والفرسان والمهنيين وعشاق الخيل من المغرب وخارجه.
وهكذا صار للجديدة وجهان يكمل أحدهما الآخر:
في موسم مولاي عبد الله، نرى فرس القبيلة والبارود والخيمة والذاكرة.
وفي معرض الفرس، نرى فرس التربية والرياضة والاقتصاد والانفتاح على العالم.
وبين الاثنين تقف الحريسة الوطنية شاهدة على أن علاقة الجديدة بالحصان لم تعد مجرد حنين إلى الماضي.
الفرس الذي رفض مغادرة الذاكرة
تغيرت دكالة كثيراً.
اختفى الحصان تقريباً من النقل والعمل اليومي، وحلت السيارة محل صهوته، والجرار محل قوته، وتغيرت القرية نفسها.
لكن الدكالي الذي استغنى عن الفرس في حياته اليومية لم يستغن عنه في ذاكرته.
يكفي أن تدخل سربة إلى المحرك ، وأن يصيح العلام، وأن تنطلق الخيول مصطفة، حتى يعود شيء قديم فينا إلى الحياة.
فالفرس عندنا لم يكن مجرد حيوان نافع.
كان صورة للفارس والقبيلة والأرض والعزة، وكان شاهداً على الأفراح والمواسم، ثم بقي حاضراً حين تغير كل شيء من حوله.
واليوم، عندما نرى فارساً وفارسة من أبناء دكالة يمتطيان جواديهما، ندرك أن الحكاية لم تنته، وإنما تغير بعض أبطالها.
لهذا، عندما يأتي موسم مولاي عبد الله، أو تفتح الجديدة أبواب معرض الفرس، فنحن لا نشاهد خيولاً فقط.
نحن نشاهد جزءاً من تاريخ دكالة يعود إلينا راكضاً على أربع حوافر .