يهتم الباحثون أكثر بنشأة الحزب الإداري والسياق الذي ظهر فيه، بينما يغفلون الأيديولوجيا والتنظيم الداخلي والتمويل: فما هي أيديولوجيا الحزب الإداري؟ هل هو يسار أم يمين أم وسط؟ وكيف ينظم هياكله الداخلية؟ وكيف يختار قواعده وقياداته، هل وفق تسلسل هرمي وتكوين وتدرج في المهام، أم عبر التعيين؟ وهل اعتمد تمويله فقط على الدعم العمومي من طرف الدولة أم على بيع البطائق والأنشطة كما هي أحزاب الجماهير، أم له تمويل آخر؟
أحيانا يتم إسقاط مفهوم أحزاب النخب التي تشكلت في السياق الغربي، على الأحزاب الإدارية المغربية، باعتبارها أحزابًا تشكلت داخل البرلمان من أجل الدفاع عن توجه وخط إصلاحي معين، بعد ذلك انفتحت على المجتمع المدني لضمان موارد انتخابية.
يتم ذكر أن الحزب الإداري تأسس دائمًا على يد شخص قريب من الملك؛ إما مستشار له، أو من داخل العائلة الملكية، أو صديق للملك. وقد تم توظيف هذه الأحزاب في سياق مواجهة الأحزاب الوطنية كما فعلت ليديك، أو مواجهة الإسلاميين كما فعل حزب الأصالة والمعاصرة. لكن أيديولوجيا الحزب والبنية التنظيمية لا يتم البحث فيها كثيراً.
حسب البعض، يقوم الحزب الإداري على أيديولوجيا الشخص الذي أسسه، وهو في الغالب شخص يتبنى أيديولوجيا النظام السياسي، والتي تجمع في الغالب بين الأصالة والمعاصرة. والأكثر من ذلك، محاولة التوفيق بين الإسلام والعلمانية كي يجد الإسلاميون والعلمانيون ذواتهم في النظام. بالتالي، فالأحزاب الإدارية ليس لديها مشاريع أو أيديولوجيات خاصة غير تطبيق مشروع الدولة، هي من هذا المنطق تمثل جميع شرائح المجتمع وتسعى لوضع أرضية يلتقي حولها الجميع، وهي رؤية النظام السياسي الذي يسعى للوحدة وجمع كل مكونات الثقافة.
كما أن النظام السياسي كما باقي المغاربة، لا يسعى لوضع أيديولوجيا يسارية أو يمينية واضحة، بل يعيش حياته اليومية كالمواطن يتعامل مع المتاح ويضع سياسات آنية؛ لذلك قد يجمع بين الحداثة والتقليد وقد يركب بينهما، وقد يتخذ في الموقف الواحد مرة سلوكًا حداثيًا ومرة أخرى سلوكًا تقليديًا.
إلا أن الأيديولوجيا الحالية ليست هي الأساس الذي تأسست عليه بعض الأحزاب الإدارية كالأصالة والمعاصرة (باعتباره تجميعًا لما تبقى من اليسار لمواجهة الإسلاميين)، إذ لا تستطيع رئيسة الحكومة المنصوري القول الآن بذلك والجهر به، ولا تملك الجرأة في الرد على منتقديها من الإسلاميين. فهو وإن خرج من رحم "حركة لكل الديمقراطيين"، إلا أنه انحرف عنها سريعًا بدخول الأعيان. حيث تحتاج الأحزاب العادية للأيديولوجيا لتقنع بها الأتباع وتؤطرهم، بينما مورد الحزب الإداري هم الأعيان والحصول على مقاعد تتم عبر القبيلة أو المنطقة أو شراء الولاءات والذمم.
إلا أن هذه الأيديولوجيا للحزب الإداري ليست مسيسة، فهي لا تسعى للحكم أو بناء مجتمع أو نظام سياسي جديد، بل هي تعبير عن النظام السياسي الموجود، والذي يعد تلفيقًا لكل المكونات الحالية؛ هي تعبير عن تعددية ونظام يجد فيه الجميع ذواتهم. بالتالي، فإن الأصالة والمعاصرة نظام هجين وليس نموذجًا مثاليًا واضحاً كما اليسار واليمين، يسعى لنقد الوضع وفرض نفسه مستقبلاً. إلا أن السؤال الذي يبقى مطروحاً هل لهذه الأيديولوجيا أتباعاً ونخباً تؤمن بها وتدافع عنها؟
قبل حكومة التناوب، أنتج النظام نخبًا رسمية تدافع عن الأطروحات التوفيقية والتلفيقية، ولم يكن يسعى فقط لتدبير الاختلاف الموجود داخل المجتمع، بل حاول إنتاج أطروحات تقول بالجمع بين قيم الحداثة والتقليد، أو التجديد مع الحفاظ على التراث. فأنتج أطروحات في الاقتصاد تقول إن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود سلطوية كما هو الشأن بالنسبة لدولة الصين العظيمة، ثم على المستوى السياسي أنتج ديمقراطية سمتها "الديمقراطية الحسنية"، كما أنتج داخل الحقل الدستوري مدرسة تفسر الدستور "الحداثي" وفق تصور تقليدي للسلطة، وأصدر تقرير الخمسينية الذي يعد رؤية واضحة ونسخة متقدمة من المخزن. في هذه المرحلة أوجد المخزن لنفسه أطروحة وأحزابًا ومؤسسات وخطابا رسميا يدافع عن وجوده العلمي والأيديولوجي.
أما بعد حكومة التناوب ونهاية "مفهوم السلطة الجديد"، فإن "اللايقين" هو من أصبح يدعم أطروحة النظام؛ من جهة لأن الأحزاب الوطنية لم تعد تنافس الملكية على الحكم، وبالتالي لا داعي لأيديولوجيا رسمية لأن الأيديولوجيا اليسارية والليبرالية ماتت بموت الأحزاب المغربية وظهور حزب "الكارتيل"، ومن جهة ثانية فإن الأحزاب الإدارية استمر وجودها رغم أن الأحزاب الوطنية أصبحت تقوم بنفس الدور. لذلك أدخلت الأحزابَ الإدارية نخب ليست تلك الأعيان التي كانت تمثل "الفلاح المدافع عن العرش"، بل نخباً لا تعرف معنى الأيديولوجيا ولا معنى الحداثة والتراث، همها فقط الوصول إلى كراسي في البرلمان والحكومة وتحسين وضعها المادي.
إلا أن وصول امرأة لرئاسة الحكومة، أصبح يطرح عدة أسئلة ملحة حول ضرورة وجود أيديولوجيا جديدة، من جهة لأنها امرأة دخلت الفضاء العام وأصبحت تنافس الذكور على السلطة، وبالتالي يحتاج الموضوع إلى تجديد لمفهوم "الآداب السلطانية" يواكب التطور الجندري الجديد، ومن جهة ثانية لأنها تترأس ملفات ذات حمولات أيديولوجية، مثل الحريات الفردية التي تضم الإجهاض والعلاقات الرضائية ولباس المغاربة وشرب الخمر. كما تحتاج للإفصاح عن موقفها في الكثير من الأحيان للرد على المنتقدين. ومن جهة ثالثة أن المنصوري تظهر بملابس حداثية تقبل الوزراء الآخرين وأعضاء الحزب ولا تضع مسافة كافية بينها وبين "الجنس الآخر"، وبالتالي تحتاج هي وحزبها إلى بلورة أيديولوجية واضحة حول سلوكها العمومي.
رغم أن المنصوري جاءت في سياق "اللايقين المخزني"، حيث لم يعد المخزن مجبرًا على تبرير تصرفاته، إلا أن عموم المواطنين والأيديولوجيات الأخرى، يضعون رئيسة الحكومة ومن ورائها المخزن أمام تحدٍ جديد يتعلق بضرورة توضيح الرؤية ووضع أيديولوجيا جديدة للرد على كل المناوئين والمخالفين.
عبد الرحيم بودلال