حين تبكي قلوب ساكنة الجديدة دماً.. صرخة ألم من عاصمة دكالة.. رسالة مفتوحة إلى من يهمهم الأمر: الجديدة تحتضر فعلاً، وعجز مسؤوليها يضعهم أمام القاعدة الوطنية الصارمة المستلهمة من التوجيهات الملكية السامية: إما القيام بالمهام كاملة أو الانسحاب
الكل يتحدث، والكل مصدوم.. لم يعد الأمر مجرد نقاش عابر، بل تحول إلى ذهول دائم يسكن بيوت الجديدة لسنوات. المواطنون يعيشون مرارة مستمرة أمام واقع مدينة غارقة في التردي والتهميش، حتى أصبحت قلوب أبناء الجديدة تبكي دماً حسرةً على مدينتهم التي تلفظ أنفاسها الأخيرة وتعيش وضعاً هيكلياً مأساوياً يبكي كل غيور
إن هذا العجز والجمود التدبيري الذي نراه اليوم في عاصمة دكالة، يجعلنا نستحضر كمثال للمحاسبة والمواطنة الحقة المرجعية الوطنية القائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتي رسم معالمها سيدي أعزّه الله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده وشفاه، في خطاب العرش التاريخي والسامي الموجه للأمة بتاريخ 29 يوليو 2017 بمناسبة الذكرى الـ18 لتربعه على عرش أسلافه المنعمين؛ حيث وجّه جلالته رسالة حازمة وعامة لكل مسؤول مقصر في المملكة قائلاً بصريح العبارة وبدون مواربة: «ولكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم، إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا، فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون.»
ومن هذا المنطلق المولوي السامي والمُلزم الذي يسري على كل شبر من هذا الوطن، نوجه نداءنا إلى كل من يتولون تدبير الشأن المحلي للجديدة؛ لنؤكد لهم أن المسؤولية أمانة عظمى. وعندما تصل الحاضرة إلى هذه الوضعية المزرية، فإن الواجب الأخلاقي يفرض على المسؤول حتى وإن لم يكن له يد مباشرة فيما يقع، وحتى لو لم يكن هو المسبب الرئيسي للوضعية أن يملك شجاعة الاعتذار، وأن يطلب المسامحة من الساكنة، وينسحب بهدوء ليفسح المجال لغيره
فالواجب يفرض هذا الانسحاب, لأن المغرب بصفة عامة، ومدينة الجديدة بصفة خاصة، لا زالا يزخران بروح العطاء، ولا زال فيهما رجال ونساء صادقون يحملون همّ هذا الوطن ومستعدون لخدمته بأمانة وإخلاص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدل الاستمرار في تكريس الوضعية الكارثية
قد يقول قائل، من باب إلقاء اللوم على المواطن: "إنكم تستحقون هؤلاء المسؤولين لأنكم أنتم من انتخبتموهم". لكن الحقيقة والواقع يؤكدان عكس ذلك تماماً؛ فالساكنة تجد نفسها دائماً أمام جدار مسدود يفرض عليها وضعاً معيناً
وهنا تبرز المسؤولية المباشرة للأحزاب السياسية التي تضع الساكنة أمام الأمر الواقع في المحطات الانتخابية الجماعية والبلدية، لا عبر التجديد الديمقراطي المبني على حصيلة الإنجازات والكفاءة، بل من خلال مكافأة الفشل وإعادة تزكية نفس النخب والوجوه التي أثبتت التجربة عجزها التدبيري. (وهذا تقييم تنموي محلي خالص لتدبير جماعتنا، بعيد كل البعد ولا علاقة له بالسياق أو التوازنات الخاصة بالاستحقاقات التشريعية البرلمانية). إن فرض هذه الوجوه محلياً وإصرار الهيئات السياسية على إعادة تدوير النخب الفاشلة هو الذي يفرغ الاختيار من معناه ويهدر الفرص التنموية للمدينة من قِبل كفاءاتها الحقيقية الصادقة
لذلك، لم يعد مطلبنا مجرد انسحاب؛ بل إننا نطالب بـ تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة كما ينص على ذلك دستور المملكة، لتبدأ المحاسبة الدقيقة عن كل سنوات التراجع والتهميش
ارحلوا بهدوء بعيداً عن تدبير مدينتنا، واعتذروا لساكنتها؛ فما عادت عيون أبناء الجديدة تحتمل رؤية من ارتبطت فترة تدبيرهم بإنهاك مدينتهم، لكي لا تظل تلك الوجوه والمشاهد تذكيرًا يوميًا مستمرًا بالفرص الضائعة والجراح الغائرة التي لن ينساها التاريخ
-الجديدة تستحق الأفضل، وحقها في التنمية والمحاسبة لن يسقط بالتقادم-
هاشمي الحسن أحد أبناء الجديدة ومدير المديرية التقنية بالقناة الثانية 2M سابقا .
