يشكل مشروع سوق الجملة الإقليمي للخضر والفواكه بجماعة مولاي عبد الله (إقليم الجديدة) نموذجا حيا للمشاريع التنموية الكبرى التي تصطدم بصخرة العقبات الإدارية والتقنية بعدما بلغت مراحلها الأخيرة. فرغم وصول نسبة أشغال البناء والتشييد إلى نحو 95 في المائة، لا يزال هذا المرفق الاقتصادي الحيوي مغلقاً في وجه المهنيين، ليتحول من رافعة اقتصادية منتظرة إلى ملف ساخن يثير تساؤلات حارقة بلغت ردهات المؤسسة التشريعية بالرباط.
هذا المشروع الضخم، الذي رصدت له ميزانية استثمارية مهمة تجاوزت 60 مليون درهم لتهيئة وعائه العقاري وتشييد مرافقه، كان يفترض أن يشكل بديلا عصريا ينقذ عاصمة دكالة من عشوائية واكتظاظ سوق الجملة القديم المتواجد بمحاذاة المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة ، فضلا عن كونه لبنة أساسية لإنشاء قطب اقتصادي إقليمي متكامل.
الجمود الذي طال المرفق التجاري دفع ببرلمانيي الإقليم إلى نقل معاناة المهنيين إلى قبة البرلمان؛ حيث شكل موضوع تأخر الافتتاح محور أسئلة كتابية ورقابية وجهها مستشارون ونواب برلمانيون - من بينهم المستشار لحسن نازيهي إلى وزير الداخلية، منبها من خلالها إلى خطورة استمرار إغلاق مشروع جاهز تقريبا، ومشددا على ضرورة حماية المال العام من "التبذير التنموي" وتفادي تحول المنشأة إلى أطلال مهجورة.
وفي ردها الرسمي على هذه الأسئلة البرلمانية، اضطرت وزارة الداخلية إلى كشف المستور خلف هذا التعثر، مشيرة إلى أن "البلوكاج" الحقيقي يكمن في تأخر إتمام قنوات الربط بالشبكات الحيوية (الماء الصالح للشرب، التطهير السائل، والكهرباء) التي تشرف عليها الشركة الاقليمية متعددة الخدمات SRMإلى جانب إلزامية استكمال شروط الرقمنة والأنظمة المعلوماتية الحديثة لتتبع المنتجات كشرط أساسي لولوج أسواق الجيل الجديد.
وبالإضافة إلى جانب الموانع التقنية المفسرة برلمانيا، يرزح الملف تحت وطأة اختلالات تعاقدية؛ فالوثائق والتقارير المحلية تكشف أن جماعة مولاي عبد الله تحملت وحدها العبء المالي الأكبر عبر الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي لتمويل الوعاء العقاري للمشروع الممتد على 30 هكتاراً، في حين تنص اتفاقية الشراكة على اقتسام المداخيل بنسبة 60 في المائة لجماعة مولاي عبد الله و40 في المائة لجماعة الجديدة؛ وهو التوزيع الذي يراه المتتبعون مجحفا في حق الجماعة المستضيفة التي تثقل الديون كاهلها في غياب مساهمة مالية ملموسة من بلدية عاصمة دكالة.
أمام الضغط الرقابي البرلماني وتصاعد تذمر الرأي العام المحلي، عرف الملف تحركات ميدانية مكثفة للسلطة الإقليمية بالجديدة؛ حيث شكل الورش مسرحا لزيارات تفقدية صارمة كان آخرها لعامل الإقليم #سيدي_صالح_داحا في محاولة لتذليل العقبات المتبقية، وتسريع كراء المرافق، وتثبيت الميزان الإلكتروني والمنظومة الرقمية الكفيلة بقطع الطريق أمام المضاربات وضمان الشفافية التجارية.
إن تجميد فتح سوق الجملة بمولاي عبد الله لم يعد مجرد مسألة وقت، بل أصبح يسائل مباشرة نجاعة الحكامة الترابية في تدبير المشاريع المشتركة بين الجماعات. وإن انتقال الملف من تساؤلات الشارع إلى آلية المساءلة البرلمانية يؤكد حجم الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها الإقليم جراء هذا الهدر للزمن التنموي؛ في انتظار تظافر الجهود لبعث الروح في هذا الشريان التجاري المعطل قبل أن تلتهمه تداعيات الإهمال.
✍️ إدريس بن يزة