لماذا يقاتل البعض للبقاء في مناصب المسؤولية الجماعية ويصرون على الترشح مجدداً رغم استياء الشارع؟ هل العائد المالي المباشر لهاته الكراسي مغرٍ إلى هذه الدرجة؟
قبل إطلاق الأحكام، هناك معطيات مالية يجهلها الكثير من المواطنين، ويفرض الواجب وضعها كأرضية موضوعية للنقاش؛ فالقوانين المغربية تربط "التعويض القانوني الثابت المخصص لأعضاء المجالس الجماعية" بـ "المعيار الديمغرافي" (عدد السكان). وتحت طائلة أي خطأ مادي غير مقصود، تظهر نتائج إحصاء المندوبية السامية للتخطيط أن سكان مدينة الجديدة يضعها ضمن الفئة المرتبطة بالمرسوم الحكومي رقم 2.16.493.
وإسقاطاً لهذه المنظومة على حالة الجماعة الترابية لمدينة الجديدة كمثال حي، إليكم الحسبة التي تجمع بين التعويض الرسمي الثابت وبين (التقدير واقعي) للمزايا اللوجستية المستوحاة من ميزانيات التسيير (كالمحروقات والسيارات والهاتف):
1. رئيس الجماعة (حوالي 12,500 درهم شهرياً): تشمل 5,500 درهم (تعويض قانوني ثابت) + تقدير واقعي لامتياز سيارة الخدمة وصيانتها مع حصة بنزين مجانية وخط هاتف مفتوح.
2. نواب الرئيس (حوالي 6,500 درهم شهرياً): تشمل 2,750 درهم (تعويض قانوني ثابت) + تقدير واقعي للاستفادة من سيارات المصلحة وحصص وقود شهرية لتأمين التنقلات.
3. رؤساء اللجان والكتاب (حوالي 3,000 درهم شهرياً): تشمل 1,400 درهم (تعويض قانوني ثابت) + تقدير واقعي لامتيازات التنقل والاتصال.
(ملاحظة: باقي المستشارين العاديين ليس لهم أي راتب، بل تعويض رمزي قدره 150 درهماً عن كل دورة يحضرونها).
الخاتمة وعلامات الاستفهام الكبرى (جوهر المقال):
بعد هذه الحسبة الواضحة، نصل إلى السؤال الصادم والمحوري: هل يُعقل أن يكون هذا العائد المالي وحده هو دافع الترشح مجدداً؟
إذا كان هذا العائد يمثل رصيداً مشروعاً تتيحه الدولة، فإن التمعن في هوية النخب التي تدبر مجالسنا يضعنا أمام مفارقة غريبة؛ إذ نجد أن أغلبهم، وخاصة من يتولون مناصب الرئيس ونوابه، ينتمون في الغالب لفئة الأعيان، أو رجال الأعمال، والمقاولين الذين يملكون وضعية مالية شخصية مريحة جداً وثروات تجعلهم في غنى تام عن هذه التعويضات والامتيازات الجماعية المباشرة.
وهنا نطرح التساؤل الأكبر والأخطر: كيف لأشخاص ينعمون بوضعية مالية مريحة، ويعرفون يقيناً ومن خلال نبض الشارع واستياء الساكنة أن حصيلتهم لا تحظى بالرضا، ورغم ذلك يستميتون ويتشبثون بقيادة المجالس مرة أخرى؟!
إذا كان هذا "الربح المالي القانوني" المباشر ليس هو الغاية، ورضا المواطن غائباً، فما هو السر الحقيقي؟
• هل هي إملاءات الأحزاب؟ التي تضغط على الوجوه المعروفة للترشح للحفاظ على مقاعدها الانتخابية؟
• هل هي "حصانة المنصب"؟ والتخوف من مغادرة المسؤولية التي قد تفتح وراءهم أبواب التدقيق في دفاتر الماضي؟
• أم هي الرغبة في الحفاظ على النفوذ والوجاهة؟ لحماية مصالحهم التنافسية العامة تحت مظلة "المسؤول الأول"؟
أمام هذه التساؤلات الحارقة، يتضح لنا أن حصر المشكل في "رغبة الأشخاص" وحدها هو قراءة قاصرة للواقع. فالأمر يتجاوز حدود الأفراد ليصطدم مباشرة بوجود ثغرات بنيوية تسمح لغير المستحقين باحتكار التسيير، وتمنع النخب الحقيقية من البروز. وإذا كانت هاته الشكوك والرمادية تسيطر على المشهد، فذلك لأن فلاتر المراقبة والاختيار لم تنضج بعد؛ مما يفرض علينا كمواطنين غيورين تجاوز مرحلة لوم الأشخاص والانتقال الجماعي نحو التفكير في كيفية سد هذه المنافذ وتطوير آليات التسيير.
أين يكمن الحل إذن؟ (مقترحات متواضعة للنقاش)
ربما العلة لا تكمن في عقليات الأشخاص فقط، بل في بنية المنظومة ككل. ومن هذا المنطلق، أضع مقترحات متواضعة للنقاش، مستوحاة من بعض التجارب الدولية، لقطع الطريق أمام أي دوافع غير معلنة ولتصحيح هذا المسار التدبيري:
1. الارتقاء بوعي النخب وثقافة الخدمة العامة: التدبير الجماعي ليس تشريفاً أو حصانة للمصالح، بل هو "خدمة تطوعية" لنبل المدينة والمواطن. هذا المفهوم يتطلب صعود نخب واعية ومثقفة تحمل غيرة حقيقية ورؤية تنموية، وهو أمر لا يتوفر تلقائياً في أي شخص، مما يضع مسؤولية أخلاقية جسيمة على عاتق الأحزاب السياسية لإعادة النظر في فلاتر اختيار مرشحيها وتغليب معيار الاستقامة والكفاءة على معيار النفوذ والمال، لضمان صعود أشخاص هدفهم الأساسي هو خدمة المواطن لا الاستقواء بالمنصب.
2. منع تضارب المصالح بشكل حازم وفوري: من الضروري تحصين القوانين لتجفيف منابع أي استفادة غير مباشرة؛ وذلك بمنع أي منتخب يمتلك شركات أو مقاولات (أو لأقاربه من الدرجة الأولى) من نيل أي صفقة عمومية أو رخصة استثمارية داخل تراب الجهة أو الإقليم طيلة مدة انتدابه، وهو العُرف الصارم الذي يحمي ميزانيات البلديات الأوروبية من شبهات المصالح الخاصة.
3. تحديث آليات المراقبة المالية والميدانية: تحسين منظومة الافتحاص من طرف الأجهزة الرقابية للدولة لتركز على المراقبة الاستباقية والمستمرة للقرارات التدبيرية والصفقات قبل إبرامها، مع إشراك حقيقي للمجتمع المدني والساكنة عبر آليات الشفافية الرقمية لمتابعة وتتبع أوجه صرف كل درهم من ميزانية المدينة.
4. الديمقراطية الداخلية لمنح التزكيات (تطلّع مستقبلي): اعتماد آلية التصويت الداخلي السري لقواعد الحزب محلياً لاختيار المرشحين في كل الاستحقاقات؛ لإنهاء عهد التزكيات الفوقية أو ضغوط "فرض" نفس الوجوه التقليدية، والتمهيد لصعود نخب جديدة وشابة بشكل ديمقراطي.
ومن هذا المنطلق، لم يعد مقبولاً اليوم أن يقتصر دور المواطن على المشاركة في سيناريو انتخابي مكتوب ومحسوم مسبقاً داخل الكواليس المغلقة للأحزاب، حيث تُفرص نفس الوجوه كأمر واقع. فالناخب الواعي لم يعد مجرد أداة لتأثيث مشهد جاهز، بل هو الرقم الصعب المطالب بممارسة ضغط مجتمعي ورقمي مستمر لإجبار الأحزاب على مراجعة تزكياتها الفوقية، وإسقاط الوجوه المستهلكة من المنبع وقبل أن تصل حتى إلى صناديق الاقتراع.
هاشمي الحسن.
أحد أبناء الجديدة والمدير السابق للمديرية التقنية للقناة الثانية 2M.