منذ أحرز المغرب استقلاله وبلادنا في عداد البلدان المحاربة ، التي ما أن تضع فيها حرب أوزارها حتى تبدأ أخرى أشد ضراوة ، لقد حاربنا القمل بدواء البرغوث وحاربنا الفئران وحاربنا السل وحاربنا "بوحمرون" وحاربنا الجذري وحاربنا "الطيطانوس" وحاربنا الأمية وحاربنا الهدر المدرسي وحاربنا الرشوة وحاربنا الموظفين الأشباح وحاربنا حرب الطرق وحاربنا العقارب والسموم .
وهذه الحروب كانت سجالا مرة ننتصر فيها ومرات نندحر ، إلا حربا واحدة هي من نمط الحروب الاستنزافية التي طالت مدة إلى درجة أننا نواصلها حتى لا ننعث بالأصابع أننا خرجنا منها بخفي حنين .
هذه الحرب هي حربنا ضد الكلاب الضالة ولو أنني أتساءل منذ متى كانت الكلاب عاقلة حتى أصبحت ضالة ، فخططنا ضد الكلاب المتشردة أوالكلاب المتخلى عنها ، وهذا أحسن وصف لها هي التي كانت ضالة وبدون منهجية .
فمنذ كنا صغارا كنا مرة تلو أخرى نسمع لعلعة الرصاص وأصوات ذخيرة حية بشوارع عديدة من الجديدة ، هو رصاص كان يخرج من مسدسات رجال شرطة في مقدمتهم الزاوية والراوي ، لالتفريق متظاهرين ولاكذلك لإيقاف مجرمين متطاولين ، ولكن لقتل كلاب متشردة تصبح خطيرة لما يحين وقت الصارفة فعادة ماكان الزاوية وهو شرطي شديد المراس في سنوات السبعينات ، يستشيط غضبا كلما أبصر كلابا ملتصقة في مابينها، آنذاك لايتردد في أن يوجه إليها تهمة الإخلال العلني بالحياء ويفرغ فيها كرتوشات مسدسه ، تقنية قتل الكلاب بالرصاص في سنوات الرصاص كنا نضرب بها عصفورين بحجر واحد ، أولا تنفيذ إعدامات كلبية وثانيا نحول شوارعنا إلى حقول رماية حتى تبقى شرطتنا متمرسة على "التير".
ومخافة أن يقع ما لا يحمد عقباه فيخطئ بعض من رجال شرطتنا في ذلك الوقت التصويب، فتقع الكارثة وبدل إصابة كلب نصيب بشرا ، صدرت أوامر مركزية أن نستعيض عن الرصاص بأرجل الدجاج المحشوة بالسم القاتل ولو أن العملية شاقة جدا لأن منفذها يحتاج إلى صبر كبير فهو يترصد الكلب ويرمي له الرجل المسمومة ثم يتأكد من أنه ابتلعها ودخل مرحلة تخدير ثم تمايل تعقبه سكرات الموت .
هذه التقنية الأخيرة جعلت مكتب الصحة البلدي متكاسلا ومعلنا لهدنة طالت في الزمن مع الكلاب المتشردة ، التي لم تحترم شروط الهدنة فأصبحت تبدأ مناوراتها كل صباح بالمدينة انطلاقا من محيط المكتب الصحي البلدي .
هذه الهدنة التي لا يخرقها المكتب المذكور إلا إذا كانت المدينة بصدد استقبال زيارة ملكية أو احتضان تظاهرة متميزة ، ورغم كل ذلك خسرنا في هذه المدينة وهذا الإقليم حربنا ضد الكلاب المتشردة ورفعنا راية الاستسلام .
ولكن لحسن حظنا أن دولة الصين الشعبية أشفقت من حالنا فمدتنا بعدد من مواطنيها استقروا بالجديدة وسيدي بوزيد في إطار مهام تتعلق بالاشتغال بالجرف الأصفر ، ولأنهم يعشقون لحم النباح فإنهم شنوا حربا لا هوادة فيها على كل الكلاب المتشردة وراحوا يذبحونها بالسكاكين الطوال ، وهذا العمل الذي يقوم به أبناء "ماو تسي تونغ " حقق غايتين كونه دعم خارجي للجديدة ومكتبها الصحي في هذه الحرب الكلابية وثانيا سيجعلنا نطمئن بأن النقانق التي تباع في جميع الأماكن على الأقل خالية من لحم الكلاب مادام "الشينويون" بيننا ولكن لا أعطيكم وعدا على الحمير.
ولن تكون جماعة مولاي عبدالله بمناسبة انعقاد موسم هذه السنة ، مدعوة إلى قتل الكلاب المتخلى عنها أو الضالة كما يحلو للجهات الرسمية تسميتها ، لأن "الشنويين" في الذمة يطاردون كلابا "تتسيف" لهم في كل مرة ب "سيفة" جديدة ، لأن في المغرب نماذج من الكلاب ومنها كلاب "الكرنة" وكلاب السوق وكلاب اللبن وكلاب المناسبات ولكن هي في النهاية كلاب .
لكن ما حز في نفسي أن كلابنا المتشردة المسكينة قتلت بالرصاص وبالسم وبالسكاكين ولكن يخفف عليها أن ذلك يندرج ضمن ما قاله المتنبي ، من لم يمت بالسيف مات بغيره > تعددت الأسباب والموت واحد .