يطلق كثير من الناس على قاعات وساحات وصف متعددة الوظائف أو "بوليفالو"، في إشارة إلى ما تؤديه من خدمات متنوعة تتبدل وتتغير بحسب رغبات مستعمليها .
هؤلاء كلهم لا يدركون أن "كرمة بوشريط" التي يربو عمرها عن 100 سنة ، باتت أقدم فضاء "بوليفالو" بمدينة الجديدة بل وبكل دكالة، فهي جزء من الذاكرة الموشومة لهذه المدينة بالنظر لما أدته من وظائف ولاتزال كذلك .
فحسب الرواية الشفوية للكثير من الجديديين الطاعنين في السن ، أن الشجرة أو"الكرمة" كما يحلو لهم تسميتها، غرست بعيد فرض الحماية الفرنسية سنة 1912 بما يعني أنها شجرة هي الأخرى طاعنة في السن، وأنها توأم لأشجار مغروسة بحديقة محمد الخامس .
"كرمة بوشريط" في البدء كانت شجرة، وبمرور الأيام أضحت فضاء تتطابق الروايات أنه في أربعينات القرن الماضي، وتحت هذه "الكرمة" كان ينعقد سوق يومي لبيع الجراد وشوائه، وهي مرحلة تؤرخ لهجوم جحافيل الجراد على بلادنا، وتضيف الروايات أن سكان المدينة كانوا يتسابقون على شراء الجراد لأنه بحسبهم لذيذ وغني بالبروتينات والكالسيوم وغيرها من الفيتامينات، وتحت هذه "الكرمة" كان ينعقد سوق يومي للخضر، يلبي حاجيات ساكنة مدينة لم تكن بمثل هذه الوفرة .
وتوالت الأيام و"الكرمة" شامخة كما هي الآن، ففي كل صباح يتحلق تحتها عمال موقف و"حرايفية" من صباغين ورصاصين وبنائين ومتخصصين في الواد الحار وأمور أخرى، يعرضون خدماتهم على مواطنين من ساكنة هذه المدينة .
وفي المساء كانت الشجرة قبل نحو 20 سنة نموذجا مصغرا لجامع الفناء ، إذ يشهد لها بأنها احتضنت عمالقة الحلقة بدكالة ومنهم الطاهر زعطوط وخليفة والغازي ونعينيعة والصاروخ وموات الحمير .
ويحكى من نوادر هذه "الكرمة" أن أحد الحلايقية وفي شهر رمضان، بدأ حلقته كالمعتاد واضعا وسطحا صندوقا خشبيا كبيرا، وبعد أن يشوق المتحلقين حوله يبدأ في جمع التبرعات منهم واعدا إياهم بأنه سيخرج جنا من الصندوق الخشبي، وعندما يقترب آذان المغرب يجمع معداته، و يضرب لهم موعدا بعد الإفطار تحت "الكرمة" طبعا ليخرج لهم الجن .
وبعيد الإفطار مباشرة تسلل أحد الشبان وتسلق أعلى "الكرمة" دون أن يفطن به أحد، وماهي إلا لحظات حتى وصل الحلايقي وتحلق الناس، وكعادته وبعد أن جمع تبرعات جديدة ضرب ضربات قوية على الصندوق الخشبي العجيب ، وصرخ بأعلى صوته "وا الجن "، فأجابه الشاب المختفي بأغصان الشجرة "وانعام" فما كان من الحلايقي إلا أن يطلق ساقيه للريح وتبعه كل المتحلقين حوله ل ايلوون على شيء من شدة الذعر .
ومنذ ذلك الوقت شاعت بين الناس أخبار بأن "الكرمة" مسكونة لا يمكن الاقتراب منها .
وعادوا إليها بعد أن أصبح "قاسم مول العوادة" يعقد فيها حلقات الحضرة التي هي امتداد لحلقات الجذبة لولد سلام أحد أبرز رواد عيساوة ، وتحت هذه "الكرمة" أكلت كميات كثيرة من "الضرك" من طرف أناس تحيروا على السواكن، وسالت منهم دماء غزيرة وفي مقدمتهم زعيمهم "مبارك الجغل" الذي لا يزال على قيد الحياة أطال الله عمره.
وتحت هذه "الكرمة" التي توجد بمكان قريب من المقر السابق لمحكمة الاستئناف ومن مستشفى محمد الخامس، كان يتحلق أشخاص منذ الساعات الأولى من صباح كل يوم، من جهابذة شهادة الزور بهذه المدينة ويتزعمهم شخص يدعى عبد السلام ، هم على أهبة بيع شهاداتهم بمقابل مادي ، لايخافون في ذلك لومة لائم ، فشهاداتهم أرسلت أبرياء إلى "حبس الصوار" بالحي البرتغالي ، وطلقت أزواجا وهدمت أسرا وشردت أطفالا .
هؤلاء وأمثالهم وتحت الشجرة ذاتها يرابطون النهار كله ، لتلقف أهالي مريض، ليبيعونهم كميات دم بالمقابل في زمن كانت حملات التبرع بالدم نادرة، وكانت "كرمة بوشريط" شهدت عبر تاريخها الطويل مطاردات بوليسية متعددة سجلت لأمنيين من أمثال ولد علال ومامي وغيرهما ضد مدمنين على القمار ، كانوا يمارسون نشاطهم المحظور تحتها، وباشتداد الحملات البوليسية حل محلهم طاعنون في السن ولكن هذه المرة يلعبون "الضامة"، فكانت أن خرجت هذه "الكرمة" أفواجا من "الضوايمية" المشهود لهم بالكفاءة والريادة .
وخلال هذه المرحلة من عمرها لم تكتب لهذه الشجرة الراحة لا نهارا ولا ليلا ، إذ بعد أن تنتهي بها كل الأنشطة، تتحول ليلا إلى مبيت للسيارات وخاصة سيارات الأجرة ، أبعد كل هذا أليست هذه شجرة متعددة الوظائف تختزن لحظات مهمة من ذاكرة هذه المدينة فرجاء اتركوها تستريح ولو استراحة محارب ؟