لقد أثارت ظاهرة احتلال الملك العمومي بالجديدة العديد من المشاكل، ما بين المستفيدين و المتضررين من هذا الاستغلال الغير القانوني للملك العام، و لم يعد الأمر منحصرا فقط على أصحاب المحلات التجارية و المقاهي الذين يحتلون الأرصفة لعرض بضائعهم أو لتقديم خدماتهم بل تعدى الامر الى بعض المنازل ببعض التجزئات السكنية.
فقد أصبح أصحاب عدد من المنازل الواقعة في بعض التجزئات السكنية، يقومون أيضا، بالاستحواذ على الأرصفة و تسييجها ، بل وإلحاقها بحدائقهم المنزلية، حارمين المارة والمواطنين، من المرور بالرصيف ضاربين عرض الحائط المنطق و كل القوانين المنظمة حيث أنهم لا يؤدون الواجبات المالية لاستغلال الملك العمومي و لا يحترمون المساحات المخصصة للاستغلال.
فمتى تتحرك السلطات المحلية و الجماعية بالجديدة من اجل إرجاع الامور الى نصابها و تحرير الملك العمومي و الارصفة لكي تؤدي مهامها الطبيعية ؟؟
تعود جذور فكرة الملك العام إلى القرنين السابع والثامن عشر حيث ظهرت بعض النظريات المنسوبة إلى كل من الفقيهين "دوما " و"بلا نش"، وهما من الفقهاء الفرنسيين الذين نادوا بفكرة الأشياء التي تتميز على أملاك التاج إذ لا يتمتع عليها بحق الملكية وإنما تخضع لحق الحراسة وسلطات الضبط وانتشرت هذه الأفكار حتى جاءت الثورة الفرنسية التي حولت الأشياء العامة إلى أملاك وطنية وتشمل مجموع الأملاك العقارية والحقوق العينية والمالية التي تخص الأمة، فعدلت النظام الأساسي للأملاك العامة تعديلا جوهريا.
و في المغرب تأثر الملك العمومي بالتغيرات الممتدة على مراحل تاريخية عرفتها مكونات المجتمع المغربي، سواء على مستوى البنيات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، هكذا فالنظام القانوني للأملاك العمومية لم يكتمل بمعزل عن التطورات السالفة الذكر بل تأثر بها واستمد منها خصوصياته.
وبالنظر إلى التطور التاريخي الذي خضعت له الأملاك العامة، فإنها تجد أساسها سواء في التقاليد أو الأعراف المغربية التي كانت تحكم النظام العقاري المغربي، الذي كان يتخذ أشكالا متعددة بعضها مستمد من إحكام الفقه الإسلامي، كأراضي الأموات والأحباس وأراضي المخزن وأراضي الغياب، أو من الأعراف والتقاليد كأراضي الدولة وأراضي الجماعات وأراضي الجيش التي أصبح يطلق عليها فيما بعد اراضي النيابة.
كما تأثر النظام القانوني للأملاك العامة بالأنظمة العقارية التي طبقتها القوى الأجنبية، في المناطق التي كانت خاضعة لهذه القوى. فالملك العمومي يتم تخصيصه للنفع العام وفق الطريقتين التاليتين:
فهو إما يخصص لخدمة مرفق عمومي، والتي ينتفع منها الأفراد بطريقة غير مباشرة، فتكون هذه المرافق تؤدي خدماتها إما فوق الملك العام كالطرقات بالنسبة لمرفق النقل الجماعي، أو أن هذه المرافق مبنية على أراضي تابعة للملك العام كالمستشفيات والمدارس.
وأما الطريقة الثانية فهي التي يتم تخصيص الأملاك العامة فيها لاستعمال العموم بصورة مباشرة كما هو الأمر بالنسبة للشواطئ والحدائق العامة والطرق وما إلى ذلك.
هكذا فان الأملاك المخصصة للاستعمال المباشر من طرف الجمهور يمكن أن نقسمها بدورها إلى نوعين أو صورتين:
*الأولى تقتضي أن ينتفع الجمهور من الملك العام على قدم من المساواة وفق الغرض الذي من اجله خصص ذلك الملك، ويطلق عليها الاستعمال الجماعي للملك العام.
*و الثانية يقتضي أن يتفرد بعض الأشخاص بجزء من الملك العام لاستعماله استعمالا خاصا لا يتناسب مع الغرض الذي خصص له ذلك الملك، لهذا يطلق عليها الاستعمال الفردي الخاص للملك العام، كالترخيص لوضع أكشاك لبيع الصحف والمجلات فوق أرصفة بعض الشوارع.
فكل فرد حر في استعمال هذه الأموال طبقا لتخصيصها، إلا أن حرية الاستعمال يجب ألا تحول دون استعمال شخص آخر لنفس الملك ويطلق على هذا النوع من الاستعمالات للملك العمومي، الاستعمال المشترك للملك العمومي الذي تنظمه قواعد خاصة، وقد لا يكون هذا الاستعمال دائما كافيا إذ أن بعض الأشخاص قد يحتاجون لممارسة أنشطتهم التجارية أو الصناعية إلى الاستفادة من بعض الحقوق الخصوصية والشخصية على جزء ما من أجزاء الملك العمومي المخصص للاستعمال العمومي، أي أنهم في حاجة لاستعمال هذا الملك استعمالا خصوصيا.
( عزيز ك .د.ش الجديدة )