ذ. صالح الخزاعي:
ترددت كثيرا قبل أن أبدأ مقالي هذا، خوفا من إعطائه تفسيرات ضيقة من طرف البعض فيفهم على غير مقصده، فالمقال لا يستهدف أحدا بعينه ولا يقصد شخصا بذاته، ولهذا فأي تشابه أو تقارب بين وضعية قارئ مع محتوى المقال، فهو من قبيل الصدفة النابعة من تحليل ظاهرة مجتمعية لا يكاد بيت مغربي يخلو منها- سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- وإذا حدث ووجد شخص ذاته في خضم حيثيات الموضوع فنعتذر له على إدراجنا لواقعه عن غير قصد.
واقع مجتمعاتنا اليوم يعرف تطورا كبيرا وعلى عدة مستويات، والأسر المغربية أصابها في السنين الأخيرة مثلما أصاب المجتمعات الغربية من انفتاح المرأة على العالم الخارجي (خارج بيتها)، فتقلدت مناصب سياسية واقتصادية وإدارية كانت محتكرة بصفة قطعية من طرف العنصر الذكوري، كما أثبتت بما لا يدع مجالا للشك قدرتها على منافسة الرجل أو التعاون معه في كل صغيرة وكبيرة ومهما كان نوع العمل الذي يجمعهما، ولهذا كان لزاما علينا إعطاء المرأة الفرصة للتعبير عن جدارتها في المهام الموكولة إليها، وقد نجحت في إثبات حنكتها في مختلف المجالات بشكل لا يمكن لعادل إنكاره.
المشكلة ليست في مدى قدرة المرأة على المساهمة الإيجابية في الحياة العامة، ولا في مدى أحقيتها في خوض غمار العمل خارج البيت، وإنما الإشكالية المطروحة اليوم تكمن في مدى وجود من ينوب داخل البيت عن المرأة الموظفة، ومن سيؤدي دورها المنزلي بدلا عنها في غيابها، وهل بمقدورها التوفيق بين أشغال البيت ومتطلبات مهنتها، وهل خروج المرأة إلى العمل مجبرة أو مخيرة سيعفيها من دورها الأمومي والمنزلي، ثم هل من بديل للتخفيف عن هذا النوع من النساء ليعيش حياة مستقرة داخل وخارج البيت.
فالأسر المكونة من زوج وزوجة موظفين يعيشان حالة من الاستقرار المادي والزلزال المعنوي، ونظرة الموظفة إلى حياة هذا الصنف من الزواج تختلف من واحدة لأخرى حسب طبيعة العلاقة التي تجمعها بنصفها الآخر، فالمرأة التي تسارع إلى كلمة “أنا مفاهمة مع راجلي” تجدها في الغالب تقصد الشق المادي بعد أن عقدت صفقة مع زوجها قبل أن يضعا في الطاجين ما يحترق، صفقة تقضي بتقاسم المصاريف اليومية والشهرية، فأحدهما يهتم بحاجيات الأبناء ودراستهم وكسوتهم وواجبات الكراء والتنقل، والآخر يهتم بواجبات التنقل كذلك والأثاث والتطبيب و”الما والضو”، مع عقد صفقات استثنائية ومساهمات ظرفية خلال المناسبات المفاجئة كزيارة الأقارب مثلا.
هذه “الوزيعة” أو ما يصفه الموظفون بالتعاون الأسري المادي يطرح مشكلا بين الفينة والأخرى يتمثل في تقاسم الأعمال المنزلية في إطار الشراكة التي تجمع الزوجين من كنس وتصبين وطبخ وإرضاع الأطفال ونفض الغبار على الموائد التي لا تستعمل إلا نادرا بعد أن تسجلت العائلة في “كارني الكريدي” لدى محل بيع “كاسكروطات” خفيفة ظريفة تؤكل أحيانا في السيارة وأحيانا أخرى في غرفة النوم بعد يوم شاق.
تقاسم التكاليف المادية اليومية والشهرية وارتباطها بضرورة التعاون المنزلي بين الطرفين يعتبر شرارة قد تعصف باستقرار الأسرة، لأن مطالبة الزوجة لزوجها بالقيام بدوره داخل المنزل يحرك فيه النخوة وعزة النفس والرجولة الكاملة والقيمة المجتمعية التي يحظى بها أرجل الرجال، فيرفض بشكل صريح أو غير معلن القيام بما “طار ليه في عودو”، فتحمل الزوجة أعباء المنزل كاملة بعد أن وضعت أعباء مهنتها على عتبة الباب بنية حملها من جديد غذا صباحا، مما يدخلها في دوامة المعاناة مع كل خطوة تخطوها في طريق حياتها التي تتسرب أيامها على حين غفلة منها، فلا تستيقظ من غفلتها إلا عند طبيب الأمراض النفسية أو في أحسن الظروف طبيب عام يحير في تشخيص حالتها المرضية بسبب آلام جميع أعضائها وهي في الأصل لا يؤلمها إلا “خاطرها”، بعد أن استغل الزوج أنوثتها وفرض عليها القيام بعملها المنزلي كاملا، واستغل وظيفتها و”مانضتها” بحجة اليد الواحدة لا تصفق، ويد الله مع الجماعة، وإن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ورضى الله في رضى الزوج، وتعاونوا على البر والتقوى، و”حنا جيب واحد”، و”الواد لي داك ما خلاني”… و غيرها من الأوراق التي يلعب بها الزوج لاستدراج زوجته حتى “تجبد الزرقالاف” عن طيب خاطر.
الحلقة المهمة التي لا يمكن تجاهلها في هذا الصنف من الزواج هي وضعية الأبناء، فهؤلاء الضحايا إن صح نعتهم بهذا الوصف، يعيشون ضياعا وتشردا وتشرذما وتشتتا ومعاناة ومآسي اجتماعية و..و..حسب رأي أمهاتهم، فهن يقررن أن الأطفال يؤدون نتائج اختيارات الآباء، فلا يأكلون من الأطعمة إلا باردها، ولا ينعمون مثل غيرهم بحنان الأم إلا نادرا، حتى إذا وجدت في البيت خادمة فهذا موضوع آخر سيتطلب منا أسطرا وصفحات للتطرق لموضوع الخادمات وآثارهن على حياة الأطفال والأزواج على حد سواء.
بالعودة إلى الزوجات اللاتي يعانين من أمراض “الخاطر والمفاصل” فإن بعض الأطباء سامحهم الله ينصحون هذا النوع من المرضى بالانخراط في ناد رياضي أو البحث عن هواية للترويح عن النفس، وهم يتناسون أن وقت الفراغ غير المتوفر للموظفة هو أصل المشكل الذي يؤرقها، وبالتالي فكيف لها أن تمارس الهواية في ظل وقت غير موجود أصلا، إلا إذا نصحها الطبيب بالتخلي عن دقائق النوم ليلا لممارسة الرياضة وهذا أمر آخر قد تجربه الزوجة لعلها تنعم بحياة أفضل.
الصنف الثاني من الزواج هو الذي يجمع بين زوج عامل وربة بيت، حالة اجتماعية تبدو للوهلة الأولى أنها عادية ولا إشكالية فيها وأنها موافقة للفطرة، لكن مع الغوص فيها يتضح جليا أن أطرافها يعانون بدورهم من مشاكل خاصة تختلف عن غيرهم وهي الأخرى مرتبطة بالجانب المادي.
“مانضة وحدا ما كافياش” هي أول جملة تطلقها ربة البيت لتلخيص معاناة زوجها جراء تحمل مسؤولية صرف الميزانية الشهرية، فأكبر الخبراء الاقتصاديين لن يستطيع تدبير ميزانية من 4000 درهم ليعول بها 3 أو 4 أفراد بمختلف حاجياتهم، فالزوجة تنتظر وفاء زوجها بوعده الذي قطعه معها قبل الزواج عندما صرح لها بجملة كان يقصد بها أشياء مرحلية لكن الزوجة تكتبها بمداد من ذهب، هذه الجملة تختلف من شاب لآخر لكنها تلتقي جميعا في “غير نتزوجو وما يخصك حتى خير”، خير يقصد به الزوج الأكل والشرب والدواء وأشياء أخرى بطبيعة الحال لا ترتبط بالمال، في حين تفسره الزوجة بشهر عسل لشخصين اثنين في أبعد مدينة عن مسقط رأسها، وجلباب جديدة مع بداية كل شهر مرفوقة بحذاء من نفس لون الجلباب، وسيارة في مستوى تطلعاتها وبما يحفظ لها كرامتها أمام صديقات الدراسة بالثانوية، وأقراطا وسلاسل ذهبية تتزين بها أمام مثيلاتها خلال المناسبات التي تتطلب “تكشيطة” تكشط بها ميزانية الزوج دون أدنى اعتبار لجيبه المثقوب وحالته النفسية وعينه البصيرة ويده القصيرة.
خيرٌ كان يقصد به الزوج فراشا عاديا وأواني منزلية “على قد الحال”، لكن الزوجة تعتبر الخير في أحسن أثاث وأكبر ثلاجة وأرق تلفاز، وتنتظر من زوجها المهموم الوفاء بوعده قبل أن تضعه في خانة “الرجال بحال بحال”، ليبدء مسلسل اللوم والعتاب وعدم الرضا بالواقع والندم على اليوم الذي فكرت فيه بالارتباط بشاب حرمها من الدراسة والعمل لتأسيس بيت زوجية صغير فوق شجرة الحياة الشامخة وسط الأعاصير.
صحيح أن الأطفال في مثل هذه الأسر ينعمون بحقهم في الرعاية والحنان، ولكن أغلبهم لا يستفيد من تعليم خاص أو ارتداء أغلى الملابس، لأنهم يلجؤون لملابس “البال” التي لا تختلف كثيرا عن ملابس المحلات التجارية العالمية إذا تم تصبينها بالشكل المطلوب، كما أن ولادتهم لم تكن في مصحات خاصة وإنما فوق سرير متسخ تشترك فيه مريضتان تتسابقان على لحظة الولادة لتنعم رفقة رضيعها باستغلال السرير كاملا، وإرسال المريضة الأخرى إلى سرير آخر قد تجده وقد لا تعثر عليه إلا بـ “دهن السير يبان السرير”.
لكي لا يجرنا الحديث إلى المستشفى، نعود إلى بيت الزوجية الذي بُني على قبول الآخر وأُسِّسَ على تقوى من الله، لكن واقع الحال كسر ظهر الزوج والزوجة فلم يعودا يطيقان طعم الأعشاب الطبية الصالحة لكل الأمراض، ولم يعد باستطاعتهما الازدحام داخل سيارات الأجرة والحافلات خلال كل عطلة أو مناسبة دينية أو دنيوية، ولم يعودا يطيقان سماع طرق الباب من طرف صاحب المنزل الذي ندم على كراء بيته لموظف بسيط يرتجف كلما وصلته فاتورة الماء والكهرباء، ويدخل العناية المركزة وإعلان حالة الطوارئ مع اقتراب شهر رمضان أوعيد الأضحى أو الدخول المدرسي من كل سنة، في حين لا يعير للعطل أدنى اعتبار لأنه تعود على قضائها في بيته المتواضع بحجة “البحر حرام” و”الغابة ماشي شي حاجة” وحرارة حامات مولاي يعقوب ” تتضر في الراس” وماء سيدي حرازم “تينفخ لمصارن” وثلج إفران “تيدير لبرودة” وساحة جامع الفنا “فيها المنكر” وما إلى ذلك من مبررات قد تقبلها الزوجة والأبناء إذا عرف الزوج كيف يقنع بها نفسه أولا ويرضي بها جيبه.
أما الصنف الجديد الذي بدأ يلوح في الأفق مع توالي الأيام والسنين، هو زواج يجمع بين امرأة موظفة وزوج عاطل ومعطل ومتعطل، وضعية اجتماعية سنستهلها بقول لا حول ولا قوة إلا بالله دون معرفة سبب راحة الزوج وعمل الزوجة، لأن موازينه اختلت دينيا ودنيويا وأخلاقيا بتبادل الأدوار بين الطرفين، وهنا سنستحيي من وصف ما سيقوم به الزوج حفاظا على مشاعره المرهفة، ونترك لكل قارئ فرصة التخيل، لأنني لا أجدني قادرا لا على الدفاع ولا الهجوم ولا حتى تحليل الوضعية.
خلاصة القول: الموظف المتزوج بالموظفة يطمع في زيادة المداخيل فإذا بالمصاريف تزداد، ورجولته وقوامته تنقص يوما بعد يوم، وربة البيت طمعت في زيادة مستوى عيشها بعد الزواج فإذا بها تصطدم بواقع مرير نقصت معه كل متمنياتها، والعاطل المتزوج بالعاملة لم يطمع في شيء في هذه الدنيا وبالتالي فلا يجوز لنا اغتيابه بأي حال من الأحوال، خصوصا أن هذا النوع من الرجال لا يجد وقتا لقراءة مثل هذه المقالات بسبب انشغاله في تهيئ وجبات الغذاء والعشاء قبل رجوع الزوجة من عملها لكي لا تنقص قيمته في عين زوجته أكثر مما هي عليه.
تذكير: أي تشابه بين مضمون المقال وأحد معارف الكاتب فهو من قبيل الصدفة.