اهتزت فاس، شهر رمضان، على وقع جريمتي دم أوديتا بحياة شابين في مقتبل العمر. الجريمتان كان مسرحهما حيان شعبيان، هما على التوالي حي الرميلة وحي جنان السراج. وتكمن أسباب ودوافع ارتكاب جنايتي القتل الوحيدين في العاصمة العلمية فاس، خلال شهر العبادة والصيام، في "الترمضينة"، وانعدام الوازع الديني والأخلاقي، وعدم التحلي بقيم التسامح التي يجب أن تسود بين الأخوة المسلمين، سيما في هذا الشهر الأبرك.
الجناة المتورطون في الجريمتين، جرى توقيفهما تباعا في أقل من 24 ساعة عن ارتكابهم الأفعال الجرمية، نتيجة الأبحاث والتحريات الميدانية التي باشرتها المصالح الأمنية الولائية بفاس، تحت إشراف والي أمن فاس، ورئيس ال"إس بي بي جي".
وحسب بعض المتتبعين الذين استقرت الجريدة آراءهم، فإن فإن سلوكات وتصرفات بعض الصائمين في رمضان، الذين ليس لهم من ذلك سوى "الجوع والعطش"، قد ترمي بهم في براتين المحظور، وارتكاب أفعال منافية للأخلاق والقانون. حيث إن بعضهم، سيما المدمنين على احتساء الكحول وتدخين المخدرات والسيجارة، يكونون بسبب "الترمضينة"، سريعي النرفزة والغضب. ما يجعل ردود أفعالهم العنيفة التلقائية، تتعدى التلفظ بعبارات نابية، إلى ارتكاب أفعال يحرمها الدين والأخلاق، ويجرمها القانون الجنائي.
وحسب مسؤول أمني، فإن الجريمة غاليا ما يستحيل التنبؤ بحدوثها، سيما في بعض الأماكن العمومية والأحياء الشعبية واالتجمعات السكنية الهامشية والعشوائية، وكذا، التنبؤ بوقت وملابسات وظروف ارتكابها. فهي (الجريمة) قائمة في "الزمكان". فقبل أن تكون ب"الفعل" أو تتم ترجمتها إلى فعل تام ومستهلك، تكون ب"القوة" (الوجود بالقوة والوجود بالفعل). فكل فرد في المجتمع قد يتحول دون سابق إنذار أو إشعار، إلى مرتكب فعل إجرامي.
وفي تعليق على جريمتي الدم اللتين راح ضحيتهما شابان في مقتبل العمر في فاس، اعتبر متتبعون للشأن الأمني أن الأمر لا يندرج البتة في إطار "الانفلات الأمني". فالمحققون قاموا بفك لغز الجريمتين، في ظرف وقت قياسي، بعد أن تمكنوا من تحديد هويات مرتكبيها والضالعين فيها، والاهتداء إليهم، ومن ثمة إيقافهم وإحالتهم على النيابة العامة المختصة التي حركت في حقهم فصول المتابعة، وفق مقتضيات القانون الجنائي.
واستغرب مصدر أمني رفيع المستوى كون بعضهم يستعملون خطأ عبارة "الانفلات الأمني"، في غير محلها وغير سياقها، إما عن جهل أو بنية مبيتة. عبارة تكون الغاية المتوخاة من توظيفها، الإثارة، وزرع البلبلة والإحساس بانعدام الأمن، وزعزعة الاستقرار.
وأضاف المصدر الأمني أن المغرب بعيد كل البعد عن حالة "الانفلات الأمني"، الذي يفيد أن الدولة ومؤسساتها الحكومية وأجهزتها النظامية، الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والاستعلاماتية، قد انهارت أو في طريق الانهيار، على غرار ما يحدث في العراق. ف"الانفلات الأمني" يفتح الباب على مصراعيه للفوضى ولأعمال الشغب والتسيب، وتنامي العصابات الإجرامية والإرهابية التي تبسط نفوذها وقوانينها الظلامية، بالجبروت وقوة السلاح.
وبالرجوع إلى الجريمة في مدينة فاس، أفاد مصدر مطلع أنه متحكم فيها، وأن معدلات ارتكابها جد عادية، في ظل نجاعة الردع الذي تعتمده ولاية أمن فاس. وهذا ما يستشف بالواضح والملموس بلغة الأرقام ومن حصيلة مكافحة الجريمة، ومن المساطر القضائية المرجعية "النوعية"، التلبسية أو في إطار الأبحاث التمهيدية، التي ما انفكت تعالجها المصالح الولائية بفاس.
وحسب مصدر أمني رفيع المستوى، فإنه لا يمكن تصور مجتمع بدون جريمة. فذلك أمر "طوباوي". فحتى كبريات دول ومدن العالم تعرف وقوع جرائم خطيرة، وبمعدلات قد نكون مرتفعة، مقارنة مع المعدلات التي يسجلها المغرب. فالجريمة ازدادت مع البشر وترعرعت في جيناته، منذ ظهور آدم على وجه البسيطة. حيث كانت أول جريمة دم بشعة في تاريخ الإنسانية، إثر تصغية هابيل لشقيقه قابيل.
كم يكون عدم حدوث الجريمة مثاليا. لكن ذلك يعتبر من الوجهة الواقعية ضربا من الخيال. إذن، ففي حال وقوع فعل جرمي، يتعين على المصالح الأمنية إيقاف مرتكبه، أو على الأقل تحديد هويته. فإيقاف الجاني، عند تحديد هويته، قد تكون مسألة وقت ليس إلا. إذ أنه محكوم عليه أن يسقط حتما، إن عاجلا أو آجلا. فالأخطر أن لا يتم توقيف الفاعل وتحديد هويته، ليبقى من ثمة مجهولا، وحرا طليقا، يشكل خطرا محدقا على أمن وسلامة المواطنين.
