كانت الساعة تشير إلى 2 من بعد زوال أمس السبت ، لما توقفت بسيارتي قبالة مقر الإرشادات والسياحة قرب مقهى طارق ، لغرض اقتناء بعض الجرائد ، فجأة راعني نقر على زجاج نافذة السيارة من الجهة التي اجلس فيها ، التفت نحو شخص يدعي أنني لمسته بالسيارة وهي اللحظة التي تولى فيها شريك له مد يده إلى داخل السيارة من النافذة اليمنى مستوليا على هاتفين نقالين ، ثم لاذ الإثنان بالفرار في اتجاه حي القلعة المجاور .
كنت لحظتها ضبطت جيدا بعضا من أوصاف الشخص الذي نقر على النافذة لإلهائي ، ونقلت ذلك إلى ديمومة الشرطة بالدائرة الأمنية الثانية ، التي استمعت إلى في محضر رسمي وتولى ضابط شرطة تعميم خبر السرقة على أفراد من الشرطة القضائية ، الذين حلوا بالدائرة سالفة الذكر وعرضوا علي صور أزيد من 40 من الناشطين في مجال السرقة بالنشل والخطف ومن داخل السيارات ، دون أن أصادف ضمنها صورة السارق الذي أدليت بأوصافه .
ولكن العميد عادل اليعقوبي الذي يترأس الشرطة القضائية بالنيابة ، كلف فريقا من أفراد هذه الأخيرة أن يسلكوا كل المسالك للوصول إلى السارقين ، بما في ذلك الاعتماد على تقنية ج ب إس .
وفي الساعة 4 من بعد زوال نفس اليوم السبت بينما كنت أمر قبالة كارلي ، أوقفني الرجا وهو عنصر من عناصر الضابطة القضائية ، طالبا مني المزيد من أوصاف احد السارقين ، دون أن أضيف إليه شيئا جديدا يسعفه بسلك أقرب طريق إلى الجانيين قبل أن يبيعا الهاتفين المسروقين .
وبينما أنا أقف مع الرجا جاءنا شيخ عمره أزيد من 75 سنة ، قال لنا لدي بعض أوصاف أحدهما قبل أن يضيف لمحته يجري باتجاه حي القلعة وهو يضع جبيرة على إحدى يديه.
التقط الرجا هذه الإفادة وقال الحمد لله لقد اقتربنا من الفاعلين ، ثم ودعته وانصرفت إلى حال سبيلي .
وبعيد الإفطار بربع ساعة اتصل بي الرجا طالبا مني الالتحاق بمصلحة الديمومة بالشرطة القضائية ، وفعلا كان كذلك وبمجرد وصولي بادرني نبيل القرش أحد عناصر الشرطة القضائية واش هاذو هما التيليفونات ديالك ، تمعنت فيهما قليلا فقلت نعم ، ثم عرض علي شاب في 27 من عمره فأكدت له أنه فعلا هو من نقر على النافذة ، بينما بادر الشاب ذاته إلى استعطافي حتى لا أصر على متابعته ،بينما أكدت عملية تنقيطه على الناظم الآلي أنه أمضى 13 سنة سجنا بكيفية متقطعة بسب تعدد السرقات وأنه لم يغادر سجن سيدي موسى إلا منتصف يونيو الماضي .
ولإشباع فضولي الصحفي عن الكيفية التي سلكها الأمنيون للوصول إلى السارق ، قالوا لي أن معلومة الشيخ الطاعن في السن كانت خيطا رفيعا أوصلهم إلى حي القلعة ، حيث استجمعوا معلومات عن الشخص الذي يحمل هذه الأيام جبيرة على يده ، وتوصلوا إلى كونه يقطن بالملاح وأن له شريك بدرب الجراري يدعى س جرينة .
وعلى خلفية ذلك انضافت عناصر أخرى إلى فريق البحث ، وراقبت كرمة بوشريط المكان الذي يتردد عليه جرينة ، وقبيل الإفطار ب10 دقائق وفي المكان ذاته تمكن الفريق الأمني من مباغتة السارق وأحكموا قبضتهم عليه ، في بداية الأمر تمسك بالإنكار قبل أن يعترف بالمنسوبإليه ، ويدل على مكان إخفاء الهاتفين في وسادة بمنزل عائلته ، بينما تواصل عملية البحث عن شريكه القاطن بالملاح .
في واقعة السرقة هاته استخلصت كثيرا من الأمور من ضمنها فعالية الشرطة القضائية وإحاطتها بجغرافية الجريمة بالجديدة بأدق تفاصيلها ، ولكن ما سرني كثيرا هو إفادة الشيخ الطاعن في السن ، الذي أظهر تلقائية في التعاون مع الشرطة من موقع ناس زمان الذين كانوا يرفضون التستر عن السارقين والمجرمين ، ليس من باب التبركيك ولكن من باب التبليغ الإيجابي الذي يحفظ للناس أمنهم وسلامتهم فما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا الشيخ الطاعن ، لأنه حتما حينما يتعاون المواطنون مع الأمن تضيق الدائرة بالمجرمين ويسلم الوطن والمواطنون ، تحية إذن للشرطة القضائية وتحية للشيخ المتعاون .