التحالف "الميداني" بين جماعة "العدل والإحسان" وتيارات اليسارية الإصلاحي منها والراديكالي في حركة 20 فبراير غريب، ويزداد غرابة يوما بعد يوم. من حق هذه التيارات أن تدافع عن الإصلاح كما تراه وأن تفضح الفساد وفق منظورها، لكن هذا التحالف غير الطبيعي يضر بالديموقراطية والديموقراطيين، يضر بالتيار الحداثي العلماني في المغرب، لأن اليساريين الإصلاحيين وحتى الراديكاليين يقدمون تنازلات كثيرة للجماعة، في المقابل لا تبذل هذه الأخيرة أي مجهود لإقناع المغاربة بالتزامها ب"الدولة المدنية" التي اكتفت بالإشارة إليها في افتتاحية من افتتاحيات موقع "الجماعة" وفي حوار مع أحد قياداتها وإن كان ذلك كله لا يلزم الجماعة في شيء مالم يصدر الموقف عن الشيخ الزعيم الذي يبدو أنه لا يزال ينتظر «الإذن الرباني".
نعم، لقد استفادت تلك التيارات من حجم أتباع الجماعة، وضمنوا حضور الملايين منهم في مختلف مسيرات حركة ٢٠ فبراير، لكنهم الآن في موقف لا يحسدون عليه، فقد تسير في اتجاه القول بابتلاعهم من طرف الجماعة أو تخليهم عن الأفكار والمعتقدات التي يؤمنون بها، وقد ظهر هذا في شعارات رفعت في المسيرات السابقة رغم عدم التوافق حولها، بل ولوحظ احتشام في استعمال الشعارات الحداثية، وأصبحت أيضا بقية التيارات رهينة أفراد الجماعة الذين يتحكمون في توقيت الإنطلاق والذي غالبا ما يكون بعد أداء صلاة العصر.
شهر رمضان أظهر هذا الاحتواء الكامل للجماعة على الحركة وسيطرتها الإيديولوجية على تنسيقيات 20 فبراير، أصبحت هذه التيارات التي دافع غالبيتها على أعضاء جمعية "مالي" التي دعت قبل سنتين إلى إلغاء الفصل 122 القانون الجنائي الذي يعاقب كل من أفطر علانية، ودافعت عن حرية المعتقد كأحد الحقوق التي تضمنها المواثيق الدولية، لكنها أصبحت تشارك في تنظيم إفطار جماعي كما حدث في مقر «الحزب الاشتراكي الموحد» بالدار البيضاء، حيث أصبحت مواعيد المسيرات والندوات واللقاءات يحددها الزمن الديني، مواقيت الصلاة والإفطار.
لم لا ينظم شباب ٢٠ فبراير افطارا جماعيا في الصبيحة وليس بعد صلاة المغرب، ويحضره اسلاميو العدل (طبعا ما ياكلوش معاهم غير يدافعو عليهم) للتأكيد أن ما يجمع حقيقة مكونات حركة ٢٠ فبراير ليس الشعارات الدينية وليس أيضا «الخلافة الراشدة على منهاج النبوة»، بل ما يجمعها هي المطالب التي رفعت لإسقاط الفساد والإستبداد، وأن كل مكون يمكن أن يمارس طقوسه الدينية والدنيوية دون أن يضايقه الطرف الآخر أو يصدر أحكاما قيمية بناءا على منظومته الإيديولوجية.
وماذا يعني بالضبط أن ينظم الشباب افطارا جماعيا أريد فقط أن يكون مجرد شكل نضالي دفاعا عن كون البعض ليس من «وكالين رمضان»، لأن ذلك في الحقيقة لا يهم، فأن تكون من «وكالين رمضان أو من صائميه»، فذلك لن يضيف ولن ينقص شيئا في الحقيقة لما تناضل الحركة من أجله، أولا لأن كل طقس ديني يجازى عليه الفرد في علاقته بربه ولا دخل لأي مخلوق في تلك العلاقة بين الإنسان والإله، ولا تزر وازرة وزر أخرى في هذا الصدد، وإن كان بعض أشباه العلماء وفقهاء الدين المتعصبين لهم وجهة نظر أخرى وينتهكون الحق في ضمان حرية العقيدة.
هذا الاحتواء خطير لأنه يضرب في الصميم حق الاختلاف والحريات الفردية لبعض مؤسسي حركة 20 فبراير الذين اختاروا أن لا يصوموا. فكان على "الجماعة" أن تدافع عن حق فئة نشيطة في حركة 20 فبراير تدعو علانية إلى الإفطار العلني، لا أن تحولها إلى حركة تابعة لها تحرك عقاربها على ساعة الجماعة الدينية.
لو كانت الجماعة تؤمن بالفعل بدولة مدنية لسارعت إلى الدفاع عن حقوق هؤلاء في الإفطار العلني في رمضان ولن يعوز فقهاءها إيجاد السند الديني أو غير الديني لتبرير هذا السلوك شرعيا لأن الله هو الذي يهدي من يشاء كما ورد في جيمع الدينانات السماوية، وعلى الأقل أيضا انسجاما مع ما تنص عليه كل القوانين من ضمان حرية العقيدة.
حركة 20 فبراير أساسية لمغرب اليوم والغد، قادرة على لعب أدوار كثيرة، لكن على تياراتها أن تتخلص من هيمنة "الجماعة" وأن تملك الجرأة اللازمة لتوضيح مواقفها من الاحتجاج، وأن تقنع المستقلين بالعودة إلى صفوفها، هؤلاء الذين غادروها احتجاجا على التحالف غير الطبيعي بين تيارات يسارية وبين الإسلاميين الذين لا يؤمنون بالديموقراطية وأدبياتهم شاهدة على ذلك.

أحمد نجيم
هام : المقال يعبر عن راي الكاتب و ليس بالضرورة موقع الجديدة 24
