مشروع الجهوية الموسعة، مسلسل تبدو فصول حلقاته جد مشوقة، و لن تجد طريقها للنهاية بعد، اذ منذ انطلاقة البذرة الأولى لهذا المشروع في 03 يناير 2010 فالأمور مازالت تراوح مكانها بين تقديم المقترحات، تم انتظار التوافق بشأنها تم تنزيلها، فالمغرب يجد نفسه بين مطرقة الاكراهات السياسية التي تجعل من هذا المشروع مشروعا حارقا يدنو من مستوى المقامرة بمستقبل البلاد، وسندان طول أمده مما يدخله في بوتقة الشك والريبة .
الكل ينتظر، وهو شيء مألوف بحكم الاعتياد، فالمبادرة لن تأتي من الحكومة أو الأحزاب السياسية أو باقي القوى الحية، بل ستأتي من عاهل البلاد، هذا المعطى يفيد أن الأمر عندما يتعلق بالقرارات الاستراتيجية الكبرى، فالكل يتراجع للوراء ويكتفي بالمشاهدة في وضع مريح، وفي ذلك هروب وتملص من المسؤولية التاريخية ، التي يفضلون أن تتكفل بها المؤسسة الملكية، التي هي بحكم الدستور والقانون محصنة تحصينا قويا وقراراتها غير قابلة للنقاش.
من الواضح أن تداعيات الربيع العربي وما صاحبها من ارتدادات، كان عاملا من العوامل الكابحة لوتيرة تفعيل خيار الجهوية الموسعة، ومدى أفق تفعيل مقتضياته، فضلا عن استمرار مشكل الصحراء المغربية قائما في ردهات منظمة الأمم المتحدة دون تقدم يذكر في سبيل تسوية النزاع، مما أفضى إلى دخول هذا الورش في حكم المؤجل.
غير أن الظرفية الدولية، التي تجعل من النموذج القائم على تفويض الاختصاصات وتقاسم جزء مهم من السلطة والثروة، يفرض نفسه بقوة على بلدان العالم الديمقراطي التي تتبنى هذا النهج، الذي يسير في اتجاه اللامركزية في التسيير والتدبير والحكامة، وهي سياسة انتهجتها أغلب الدول التي كانت تعاني من المطالب الانفصالية لبعض جهاتها.
من جانب آخر، المغرب مقبل على استحقاقات انتخابية في الأشهر القليلة المقبلة، مما عجل بتقديم وزارة الداخلية للتقسيم الجهوي الجديد الذي ينطوي على الانتقال من تقسيم جهوي يضم 16 جهة إلى آخر جديد يقلص جهات المملكة إلى 12 جهة تضم 75 اقليما و2503 من الجماعات، وهو إجراء مستلهم من خلاصة تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية برئاسة عمر عزيمان، يصاحبه مشروع قانون تنظيمي للجهة تم تقديمه للأحزاب السياسية قصد الادلاء باقتراحاتها داخل آجال شهر، وهي فترة زمنية قصيرة، تشير فيما تشير إلى محدودية القوة الاقتراحية لهذه الأحزاب التي لن تتوانى في القبول به كالعادة مع القيام ببعض الاعتراضات الفرجوية التي لن تتعدى كلمات في الهواء وبالتالي ضمان تمريره، رغم ما يعتريه من ملاحظات تثار دائما حول هيمنة السلطة المركزية الغير المنتخبة من خلال قبضة الولاة والعمال على مصادر القرار المهمة، وترك المجالس الجهوية والإقليمية المنتخبة بصلاحيات ضعيفة.
للإشارة فالجهات الاثني عشرة المقترحة هي: طنجة تطوان- الشرق والريف- فاس مكناس- الرباط سلا القنيطرة- بني ملال خنيفرة-الدار البيضاء سطات-مراكش اسفي- درعة تافلالت- سوس ماسة- كلميم واد النون- العيون الساقية الحمراء- الداخلة وادي الذهب.
الشيء الجدير بالذكر، أن التقسيم الجهوي الجديد يحتمل قراءات متعددة، فمعايير التقسيم يتشابك فيها التاريخي بالجغرافي والسياسي والاقتصادي والثقافي والأمني، فمسألة تقليص الجهات إلى 12 جهة أملتها الضرورة الاقتصادية المحضة التي تشير فيها الدراسات، أنه كلما كانت الكثافة والتجمع السكاني كبيرا كلما كانت فرص نجاح التنمية الاقتصادية أكبر، وهي رؤية تنسجم مع توجهات الاتحاد الأوروبي الذي يوصي في توصياته للدول المنضوية تحت لوائه، بالحاجة الملحة والملزمة لاحترام الحد الأدنى من الساكنة الديمغرافية في عملية التقطيع الترابي للجهات والتي حددتها في ثلاثة ملايين نسمة على الأقل، مما دفع فرنسا إلى إعادة النظر في تقسيمها الجهوي لتقليصه من 22 جهة إلى 14 جهة.
هذا المعطى، يجعلنا نتساءل عن أي تنمية اقتصادية نتحدث؟ وما المغزى من تقسيم مناطق ومنحها صفة جهات قد لا يصل تعداد سكانها حتى مائة ألف نسمة؟ وهل ستكون مجرد هياكل فارغة مضمونا، تخصص لها ميزانيات ضخمة يتم التهام ريعها من طرف أطر و موظفي الدولة، الذين سيجدون أنفسهم يكرسون دورا هاجسه أمني رقابي أكثر من تنمية اقتصادية حقيقية.
في السياق ذاته، هل يمكن القول أن التقسيم المقترح يجب إعادة النظر فيه وتقليص جهاته أكثر فأكثر حتى يتسنى تحقيق شرط القوة الديمغرافية، لتجنب إعادة إنتاج مقولة المغرب النافع من غيره.
ان المتأمل بعمق لتوزيع التقسيم الجهوي المقترح، سيكتشف أن الهاجس السياسي مازال حاضرا بقوة من خلال محاولة عزل المناطق التي تتسم بنوع من الحساسية التاريخية والثقافية، كما هو الأمر بمنطقة الريف، حيث استمر التقسيم بنفس الشكل كما في السابق من خلال انضمام منطقة الناظور إلى الجهة الشرقية، في حين منطقة الحسيمة بقيت منضوية تحت لواء جهة طنجة تطوان، وهو خيار يفهم سياقه من خلال تدعيم مبدأ وحدة الدولة و تجنيب منطقة الريف لنزعات الانفصال التي طفت للواجهة خلال هذه الأيام في دول الجوار مع إقدام كل من منطقة كاطالونيا على محاولة اجراء استفتاء حول الاستقلال على غرار ما جرى في اسكتلندا.
ما يثير الانتباه أيضا، اختفاء وذوبان جهات مهمة نابعة من هوية قبلية كمناطق دكالة، عبدة، تادلة، زعير والشاوية وهو أمر سيثير حفيظة تلك المناطق، لكن يبقى الخيار الديمقراطي أقوى من كل شيء آخر، حيث يفرض التضحية بالتدريج بكل ما من شأنه جلب الفرقة والتقسيم بين مكونات المجتمع وتقويض وحدة الدولة، حيث يعلم الجميع قوة وبأس العصبية القبلية في تفتيت لحمة المجتمعات الإنسانية.