تابه الجديد والصادر حديثا عن مطبعة " infoprint" تحت عنوان: "التكشيف الموضوعي لكتاب البيان والتحصيل لأبي الوليد ابن رشد القرطبي (520هـ)" والمتضمن لحوالي 530 صفحة، يعالج الدكتور المغربي "عبد المجيد حضري" الباحث في الفكر المقاصدي في كتابه المذكور، إحدى إشكاليات العكوف على المصنفات والدواوين والموسوعات العلمية بالبحث والدراسة، والتكشيف والفهرسة، لتذليل صعوباتها وتقريب أبعادها، وتسهيل البحث في نوادرها، خاصة الموسوعات العلمية التي نسجت على غير منوال أكاديمي ذي فهرسة تكشف ما بطن بين دفتيها وتجلي في آخرها ما قيل في متنها، وإنما أطلق المؤلف عنان قلمه ليخوض في كل مقال، ويجيب عن كل سؤال، مستوعبا كل الأبواب العلمية، مما يجعل البحث عن موضوع معين في هذا الكشكول من الصعوبة بمكان، لا يصبر عليه الصابر ولا يقدر عليها المثابر ، وكل مستدل من هاته الموسوعات غير المكشفة أو ناقل لأقوالها لا يحصل على بغيته إلا عرضا، ومع ذلك يفتقر شاهده إلى الدقة والاستعاب، الأمر الذي يلزم العلماء بتشجيع تلامذتهم لتكشيف ما حوته المطولات العلمية من كنوز ودرر، وفوائد وطرر، وترتيب مباحثها وجمع ما تفرق من شواهدها في باب واحد وموضع رائق، لأن العلم كما يقول العلماء: هو البحث وأين توجد الفائدة، وفي البحث عن المعلومة تنفق الأوقات وتسرف الأعمار دون الظفر بها أحيانا، لكن مع الكشافات والفهارس تذلل الصعاب وتطوى المراحل وتجنى الثمار اليانعة بأبسط جهد وأيسر وقت.
وإذا كان الأئمة قد عانوا من فتور الهمم منذ بداية القرن الرابع حين اقترح[1]الإمام الطبري 310 هـ على طلبته مشروعه التفسيري والتاريخي وأجيب بأن "اقتراحه دونه الأعمار" فقال رحمه الله :" الله أكبر ماتت الهمم " مرورا بالقاضي أبي بكر بن العربي الذي اشتكى أهل زمانه حين لاحظ رحمه الله عكوف الناس على المختصرات وابتعادهم عن المطولات... فقد أضحت الحاجة ماسة إلى بذل الجهد في هذه الطِّلبة ، وتسجيل البحوث لتحقيق هذه الرغبة ، خاصة في وقت السرعة والحاسوب والأقراص المدمجة والإنترنيت... حتى أضحت المطولات محكوما عليها بالهجران، ومركونة في المكتبات لا تجد لها أنيسا ولا قريبا خلا بعض ممن من الله عليهم بالشغف بهذه الدواوين .
وكثير من العلماء انسجموا مع واقعهم ودرجوا على تأليف الرسائل الصغيرة التي تعمد إلى المقصود رأسا، والى الموضوع مباشرة لتجد لها في ظل زحمة الطبع والنشر مكانا في مكاتب الدارسين والقراء والمهتمين.
وليس التكشيف بالسهل اليسير كما يتصوره بعضهم ممن لم يبتل بصعوباته ولم ينل حظه من فوائده، بل هو عمل علمي أصيل، يلتقي فيه العمل التقني بالدقة في الفهم والنظر مع التيقظ والحضور ،حتى يستشف ويستنبط المكشف ما يقصده المؤلف من كلامه، وما يشير إليه في مقاله، ليذكر ذلك بأوضح بيان وأسلس كلام ، ولا يتأتى ذلك إلا بمداومة النظر في السطور وتكرار ما تضمنته الفقرات من المعاني والأفكار، حتى يسلم تكشيفه من مجانبة الصواب.
وتعد كلمة "تكشيف" من الكلمات الحديثة الاستعمال في اللغة العربية، وهي مشتقة من الفعل الثلاثي "كشف"، وكشف الشيء تعني أظهره ورفع عنه ما يواريه أو يغطيه، أما في علوم المكتبات فيقصد به أحد أشكال التحليل الموضوعي للوثائق.
والتكشيف عبارة عن عملية خلق المداخل في كشاف أو إعداد المداخل التي تقود للوصول إلى المعلومات في مصادرها، كما يقصد به إعداد الكشافات أو إعداد مداخل الكشافات التي تؤدي للوصول إلى المعلومات من مصادرها وتتضمن هذه العملية بإيجاز فحص الوثيقة وتحليل المحتوى وفقاً لمعايير محددة، وتحديد مؤشرات المحتوى، وإضافة مؤشرات المكان، وتجميع المداخل الناتجة في كل متماسك.
ويقصد به أيضاً انتقاء مجموعة من الكلمات المفتاحية الدالة تسمى الواصفات مأخوذة من اللغة الطبيعية للوثيقة. وهو عبارة عن مجموعة من الإجراءات تنظم محتويات تسجيلات المعرفة لأغراض استرجاعها عند الحاجة.
والمنهج الذي اختاره الباحث في "التكشيف الموضوعي لكتاب البيان والتحصيل لأبي الوليد ابن رشد القرطبي (520هـ)" كان كالأتي:
قراءة الأجزاء المكشفة قراءة متأنية لكل مسألة على حدة.
استخراج المواضع الفقهية والأصولية من الأجزاء المكشفة.
صياغة المواضع المستخرجة صياغة مختصرة بعبارات الدالة على حكم من الأحكام وترتيبها ترتيبا ألفبائيا، فمثلا إذا أراد الباحث الحصول على ما في الكتاب المكشف من أحكام تتعلق بموضوع ما، كالنكاح والطلاق، فإن عليه أن يبحث في حرف الطاء في ما يخص الطلاق وحرف النون في ما يخص موضوع النكاح إلى غير ذلك.
ذكر رقم الجزء المكشف مع رقم الصفحة بعد كل موضوع من المواضع المستخرجة، وفي حالات تكرار المواضع في اكثر من مكانه الإشارة إلى جميعها
ولا غرور ولا مبالغة إذ زعم الباحث أنه بتكشيفه لهذا الكتاب بهذا المنهج كان قد فتق رتق منهج جديد في تكشيف الموسوعات العلمية.
[1] ذكر بن السبكي في طبقاته: ان بن جرير قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم الى وقتنا هذا ؟ قالوا: كم قرده؟ فذكره ان ثلاثون الف ورقة. فقالوا: هذا مما يفني الاعمار قبل إتمامه. فقال انا لله ماتت الهمم فاختصره في نحو ما اختصر التفسير انتهى(كشف الضنون 1\\297).