"الجديدة من الظلمات إلى النور، من التخلف إلى التقدّم".. كان هذا هو الأمل. غير أن شيئا من ذلك لم يحدث... حين يصل الزائر للمدينة حاليا إلى "وسط الجديدة"، كما أطلق عليه في وقت من الأوقات واستبشرت الساكنة خيرا وظنت أنها ستخرج من مظاهر التردّي والهدم اللذين طالاها (المهدومة) يلاحظ أنّ شوارعها صارت مسخاً لم يعرف أحد إلى حدّ الآن سببه. فما يلاحظه العابر من وسط المدينة أنه صار "ضيقاً" سواء أثناء الدخول إليه أو أثناء الخروج منه. كما أنّ الإنارة التي كانت تشعّ منه اختفت، وكـأنك تمرّ وسط قرية نائية من قرى المغرب المنسي..
مدينتي، أسأل نفسي: هل الزمان يرفضك أم ترفضين الزمان؟.. لماذا أهلك حائرون؟ لماذا أهلك تائهون؟ لماذا شبابك شاردون أكثر من غيرهم من شباب هذا الوطن الحبيب؟
مدينتي، جاء الغريب إلى أرضك وسرق كلّ ما تملكين.. تملكين الأرض الجميلة التي خلفها لنا أجدادنا. ونحن صغار كانوا يُحدّثوننا عنها، لن ننسى كلامهم حينما قالوا "أرضكم عرضكم، أنتم يا أحفادي الموكلون بها، وليس لغيركم أن يتصرّف فيها"..
مدينتي، اسمعي النزيف والألم المنثورَين على الرّصيف.دعيني أصغي إلى هدير أمواج سواحلك وهي تشهد انكسار شراعي. فشوارع مدينتي لا تعرف إلا خيبة الأمل..
مدينتي أما زلت تذكرين من نحن؟ هل سيذكر الزّمان أننا كنا هنا يوما؟
مظاهر الطرقات في وضعياتها الكارثية والأحياء في حالاتها البائسة لغياب التّهيئة وثقافة الفضاء، على نحو ما هو عليه الأمر في وسط المدينة، ما تزال "لعنة" تُلاحِق كل المسؤولين إلى غاية اليوم.
أول ما يشد انتباه الداخل إلى "قلب دكالة" هو شبه الأشغال التي يتولاها بعض الأعوان لحفر الأرصفة الرّئيسية العابرة لقلب المدينة، على أمل إعادة تهيئتها؛ ولا أحدَ منهم حسم في شريط الحُفر المُمتدّة، والتي أصبحت "ميزة" تطبع طرقات وساحات الأحياء في المدينة. تحوّلت هذه الحفر إلى هاجس زاد من قلق الناس ممّن يتساءلون عن المنطق المقلوب الذي قاد القائمين على تسيير الشّأن العام إلى حفر الطريق في فترة حساسة جدا، تشوبها شكوك عن نواياهم وزعمهم.. مثل هذه المظاهر جعلت الجديديّين يُكوّنون صورا سيّئة في ذاكرتهم الجماعية عن المسؤولين الذين تعاقبوا على تسيير الشأن العام لمدينتهم.
ليس بوسع الزائر لمدينتنا أن يدخل المحطة الطرقية إلا بشقّ الأنفس، بفعل الحفر والرّوائح النتنة لبقايا الفضلات والأوساخ، خاصة أنها تتواجد وسط المدينة، ولكنّ العاملين بالمحطة الطرقية يبدون غير مكترثين بذلك، وهم في شأن آخر من أمرهم.. لقد مات الإنسانُ في دواخلنا وأصبحنا نميل أكثرَ إلى التّهم الجاهزة لرشق السلطات العمومية لإبعاد المسؤولية عن أنفسنا، لأنّ قضية النظافة هي قضية المواطن أيضا، الذي تحوّل إلى طرف سلبي..
ولا يقلّ الوضع سوءا في سوق الجملة، من فرط الحُفر التي شكّلت حزاما واسعاً من مستنقعات الأوحال، في ظل غياب التهيئة والإنارة العمومية.. هذه المظاهر البائسة لا تزال إلى غاية اليوم همّاً إضافيا يُنغّص على السكان ممّن ينامون على وعود ويستيقظون على أخرى؛ بينما في الواقع لا شيءَ تحقق على الإطلاق سوى إشاعات وقيل وقال تتسرّب من الساحات والمقاهي، تفيد أنّ السلطات المحلية عازمة، خلال الأشهر المقبلة، على إنجاز "الجنّة الموعودة" للتنمية في أحياء المدينة وشوارعها، من قبيل خلق حدائق ومرافق للترفيه، مع إنجاز ملاعب ومرافق أخرى للتنزّه.
إذا زرتَ المدينة ستلاحظ أنّ يوميات الناس "ثقيلة"، يطبعها الحزن والبؤس، كما لو أنهم يحملون فوق رؤوسهم جبالاً، لأنّ "تدفق السّكان على الجديدة قد تزايدَ كثيرا، ما ولّد ظروفا صبحت تضغط بثقلها على الناس، خاصة أن هذا التدفق لم يقابله إنجاز مرافق في مجالات الصحة والتعليم والنقل والترفيه وغيرها".. ولكنْ ما هي الأسباب التي جعلت الوضع يراوح مكانه في مجال التنمية بهذه الجهة؟
هناك من يقولون إنّ قضية الجديدة الكبرى هي قضية المسؤولين.ويطرح مثل هذا الوضع تساؤلا آخر عن جدوى إجراء الانتخابات في هذه المدينة إذا كان المجلس البلدي لا يساهم في تقديم أيّ إضافة للتنمية المحلية، رغم الصّلاحيات الواسعة التي منحتها إياه ساكنة المنطقة.. واستنادا على تصريحات بعض أبناء المنطقة، فإنّ المنطق الذي اتّبعه المجلس البلدي لم يُؤدّ إلى تغيير الوضع البائس في المدينة، ولم يخرج عن إطار الوعود والتصريحات والخطابات التي يطلقها من وقت إلى آخر أمام بعض جمعيات المجتمع المدني.