اعتمد أمن الجديدة، ابتداء من 18 يونيو 2015، الموافق لفاتح رمضان 1436، نظام التوقيت المسترسل، في الدوائر الشرطية الخمسة الكائنة بعاصمة دكالة، بغية ضمان وتأمين استمرارية العمل، كل دائرة في مقرها ومنطقة نفوذها الترابي والأمني، على امتداد 11 ساعة متواصلة، من ال9 صباحا وإلى غاية ال8 مساءا، بتناوب فوجين أمنيين: الفوج الأول يشتغل من ال9 صباحا وإلى غاية ال3 عصرا، والفوج الثاني من ال3 عصرا وإلى غاية ال8 مساءا.
وخلال الفترة الأولى، يعمل موظفو الدوائر الشرطية، طيلة 8 ساعات متواصلة، على توفير الخدمات الأمنية والإدارية، التي تكمن في تلقي الشكايات والوشايات، والتعليمات النيابية، وإنجاز المساطر القضائية التلبسية، أو في إطار البحث التمهيدي، وإنجاز الوثائق الإدارية (شواهد السكنى...).
و خلال الفترة الثانية، والتي تتزامن ونهاية العمل في الإدارات والمرافق العمومية، تستأنف المجموعة الثانية التي تعفى منها الشرطيات، مهامها الاعتيادية باستثناء الخدمات الإدارية.
وبانقضاء الوقت والتوقيت المخصصين لنظام العمل المسترسل الذي يظل العمل به ساريا، طيلة الأسبوع وأيام العطل، يأتي العمل بمصلحة المداومة التي تشرع يوميا، خلال شهر رمضان، في ممارسة مهامها، ابتداء من ال8 مساء وإلى غاية ال9 من صباح اليوم الموالي. وتؤمن بالتناوب الدوائر الأمنية الخمسة مهام الديمومة.
هذا، وتبقى الصلاحية لرؤساء الدوائر في تكييف أوقات وصيغة وظروف العمل بنظام التوقيت المسترسل، والتصرف في الحصيص المتوفر لديهم. ما يعني أن رؤساء الدوائر سيجدون أنفسهم مضطرين، بفعل تحمل المسؤوليات الشاقة، للانتقال، بعد انقضاء شهر رمضان، إلى العمل بصيغة أخرى (15.5 ساعة)، بتناوب فوجين أمنيين. الفوج الأول سيعمل من ال8 والنصف صباحا، وإلى غاية ال4 عصرا (7.5 ساعات). فيما يستأنف الفوج الثاني عمله من ال4 مساءا وإلى غاية منتصف الليل (8 ساعات).
وبعد أن تغلق الدوائر الأمنية أبوابها، تبعا لصيغة العمل هذه، سينطلق، ابتداء من منتصف الليل (الساعة 00)، بمصلحة المداومة، إلى غاية ال9 من صباح اليوم الموالي (9 ساعات). والمعضلة الكبرى أن الدائرة التي ستكون ملزمة بتأمين مهام الديمومة (grande journée)، يتعين عليها أن "تفتت" موظفيها،على قلتهم وعددهم الهزيل أصلا، إلى 3 أفواج. أما رئيس الدائرة، فملزم بأن يكون "مخضرما"، ويواكب عمل الأفواج الثلاثة وتدخلاتهم (...)، على امتداد 24 ساعة متواصلة، من ال9 صباحا، وإلى غاية ال9 من صباح اليوم الموالي.
هذا، ولا يستبعد أن يتم الاستغناء حتى عن صيغة العمل الثانية، بعد الاستغناء عن الصيغة الأولى، ومن ثمة الاحتفاظ بالحصيص بأكمله للعمل (6 أو 7 موظفين)، حتى خارج التوقيت المحدد، جراء الضغط الذي يزداد بشكل ملحوظ على الدوائر، سيما بسبب التدخلات الأمنية التي تعرف، خلال شهري يوليوز وغشت، تصاعدا صاروخيا في الشارع العام والقطاعات بالمدار الحضري، الذي اتسعت بالمناسبة رقعته بشكل أخطبوطي، بعد أن أصبح نفوذه الترابي يضم، منذ 4 سنوات، 20 دوارا وتجمعا سكنيا عشوائيا. ناهيك عن كون مدينة الجديدة الشاطئية والسياحية، تصبح خلال فصل الاصطياف، قبلة مفضلة للزوار والسياح الوافدين من داخل وخارج أرض الوطن. ما يجعل ساكنتها تتضاعف ب3 مرات. الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة إلى توفير الخدمات الأمنية، واستتباب الأمن والنظام العام، والتي تزداد بشكل مضطرد على مدار ساعات اليوم (24 ساعة / 24 ساعة)، وطيلة أيام الأسبوع (7 أيام /7 أيام).
ومن جهة أخرى، فإن معضلة التقسيم الترابي والأمني للدوائر الأمنية بالجديدة، يطرح إشكالا خطيرا لا يمكن البتة تجاوزه أو تجاهله، وقد تتحمل المسؤولية فيه وزارة الداخلية. فالتقسيم الترابي للدوائر بعاصمة دكالة وعددها 5، لا يواكب التقسيم الترابي للمقاطعات الحضرية بها وعددها 7.
كما أن الضغط يقع على دوائر أمنية بعينها دون غيرها، مثل الدائرة ال4، ذات النفوذ الأمني والترابي الشاسع، والذي يشمل أحياءا وتجمعات سكنية ذات كثافة ديمغرافية جد عالية، من قبيل حي السعادة، والذي اعتبرته السلطات، سنة 2002، أكبر دائرة انتخابية في المغرب. هذا الحي الذي كانت الآمال معقودة في خلق دائرة أمنية بترابه، في عهد عامل إقليم الجديدة الأسبق محمد الفاسي الفهري (1999 – 2003).
هذا، فإن رئيس الأمن الإقليمي للجديدة يكون اعتمد للمرة الثانية على التوالي، بعد صيف السنة الماضية، نظام العمل بالتوقيت المسترسل. هذه التجربة القديمة جدا، تبين، بعد تقييم نتائجها، أنها "فاشلة" بجميع المقاييس. وقد سبقه إلى اعتمادها والي الأمن السابق "نورالدين السنوني". كما كان السباقين ب11 سنة، في تفعيلها بالقنيطرة، المسؤولان الأمنيان بادا والعلوى (2004 – 2009). ونظرا لعدم نجاعتها، فقد جرى التراجع عنها، وتبني نظام العمل بمصلحتين للمداومة في آن واحد.
وقد كان حريا برئيس الأمن الإقليمي بالجديدة أن يعتمد هذا النظام الناجع، والذي يكمن في العمل استثناءا، خلال فصل الصيف، بمصلحتين للديمومة. هذا النظام الذي لا يمكن بالمناسبة تطبيقه في عاصمة دكالة، خارج شهري يوليوز وغشت، نظرا لكونها مدينة متوسطة، والإكراهات الأمنية فيها، باستثناء فصل الصيف، جد محدودة، مقارنة مع المدن ال10 الكبرى في المغرب (طنجة، تطوان، وجدة، فاس، مكناس، سلا، الرباط، الدارالبيضاء، مراكش وأكادير)، حسب تصنيف ديموغرافي.
إن أمن الجديدة يشكل فعلا "الاستثناء"، مقارنة مع باقي المصالح الأمنية اللاممركزة، فيما يتعلق باعتماد نظام "الضوبلاج" بالنسبة للهيئة الحضرية، ونظام التوقيت المسترسل في الدوائر، والذي أعطى المسؤول الأمني انطلاقة العمل بهما في ظرفية غير مناسبة، في شهر رمضان، الذي يظهر أن كل شيء فيه جد عادي. إلا أن اعتماد هذين النظامين ينهك الطاقات الأمنية، على قلتها، والتي يسود التذمر في أوساطها.
إن تفعيل نظام العمل المسترسل بمصالح أمن الجديدة، يعتبر من المستحيلات، وضربا من الخيال. فبغض النظر عن الإكراهات التي تم استحضارها، فإن الموارد البشرية تكون أكبر عائق في أجرأته، علما أن الحصيص العامل لدى الدوائر بالجديدة، لا يتعدى في أحسن الأحوال، 15 عنصر أمني لدى كل دائرة، ضمنهم، إذا استثنينا العنصر النسوي والموظفين الإداريين، فقط 6 أو 7 عناصر ميدانية، 2 أو3 ضباط، و3 أو 4 محررين. فكيف يمكن استثمار هذا الحصيص (6 أو 7 موظفين) في نظام العمل المسترسل، من أجل مباشرة الإجراءات التي نصت عليها مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، سيما في ما يتعلق بحالات التلبس، التي تستلزم إيداع الموقوفين تحت تدابير الحراسة النظرية، وإحالتهم على النيابة العامة المختصة، في ظرف 48 ساعة أو بإضافة 24 ساعة أخرى ؟!!!
هذا، فلو كانت تجربة نظام العمل المسترسل ناجعة وناجحة، لاستمرت في القنيطرة، وهي بالمناسبة أكبر بكثير من الجديدة، في تفعيلها، ولعممتها المديرية العامة للأمن الوطني على المصالح اللاممركزة، وفي طليعتها المدن ال10 الكبرى.
إن نظام العمل المسترسل الذي كان العمل انطلق في نسخته الأولى بالجديدة، الأحد 29 يونيو 2014، نظام شاق، يستعصي أجرأته في عاصمة دكالة، نظرا لقلة الموارد البشرية، وهزالة المعدات والتجهيزات والدعم اللوجستي الذي من المفترض والمفروض أن تخصصه مديرية التجهيز والميزانية (DEB) للمصالح الأمنية بالجديدة.
فهذا العمل الشاق لا يأخذ بعين الاعتبار "إنسانية" الموظفين الأمنيين، وكونهم "بشرا" من لحم ودم، ولهم أحاسيس ومشاعر، ووضعيات أسرية واجتماعية، وحياة خاصة. إذ يخيل لبعضهم أنهم "روبوات"، أو موظفين خارقين "superman"، يمكن استغلالهم واستعمالهم كيف ومتى وأنى شاءوا. وحتى الآلة الميكانيكية، فهي معرضة للصدأ والتآكل، ومن ثمة فهي في حاجة ماسة إلى الصيانة والراحة، حتى لا تصاب بأعطاب قد تفقدها وظيفتها.
إن هذا النظام لا يراعي حتى الظروف الصحية والنفسية للموظفين الأمنيين بالجديدة، سيما أن الكثير منهم فاقوا سن ال40، ومنهم من يعاني من أمراض مزمنة خطيرة، من قبيل مرض القلب وداء السكري (...). ومع ذلك، فإن ملفاتهم الصحية التي صادقت عليها لجن صحية مركزية، والقرارات والتوصيات المديرية بتعيينهم في مناصب ثابتة "postes sédentaires"، قد رمي بها المسؤولون في سلة المهملات. حيث عمدوا إلى إخراجهم من مكاتبهم، وإجبار بعضهم على الوقوف 8 ساعات، في ظروف قاسية، في السدود القضائية. ما يعرض حياتهم لخطر الموت. وهذا ما ينم بالواضح والملموس أن المسؤولين بأمن الجديدة لا يعترفون لا بالقوانين التنظيمية، ولا باللجنة الصحية المركزية، ولا بالقرارات والتوصيات المديرية، التي ضربوا بها عرض الحائط.
فكيف للموظفين الأمنيين بالجديدة أن يعملوا بنظام التوقيت المسترسل الذي لا يعترف بإنسانية الإنسان، والذي سيتواصل اعتماده إلى أجل غير مسمى، رغم أن بعض التأكيدات تقول أنه سيستمر إلى غاية ما بعد موعد إجراء الاستحقاقات الانتخابية في المغرب ؟!
هذا، وفي غياب توفير الإمكانيات والموارد البشرية والظروف المواتية، من أجل تطبيق هذا النظام "الفتاك"، فيتعين على الأقل توفير مزيد من سيارات الإسعاف من مصلحة الأعمال الاجتماعية أو الوقاية المدنية، مع الإبقاء عليها، وحتى على الطبيب النفساني ال"psy"، في حالة تأهب. كما أن الضغط قد يولد الانفجار. وهذه حقيقة يتوجب على المسؤولين أن يكونوا استوعبوها واستحضروها عند تفعيل النظام المسترسل، على الورق، قبل إخراجه إلى حيز التنفيذ.
إن المعاناة من قساوة ظروف العمل، والضغط النفسي، لا تقتصر على الدوائر الأمنية، بل تكتوي بنيرانها الهيئة الحضرية بأمن الجديدة. فالعناصر الأمنية بالزي الرسمي مفروض عليهم بدورهم العمل ليل-نهار، طيلة 16 ساعة متواصلة. وهذا ما يعرف بنظام (2x8) أو "الضوبلاج". فهذا النظام أصبح المسؤولين بأمن الجديدةا يطبقون حتى في الفترات المسائية (الليل)، وفي شهر رمضان، حيث إن كل شيء جد عادي، وكذا، حتى على خلاف المصالح الأمنية اللاممركزة في المغرب، والتي لا تفعل أصلا هذا النظام "القاسي" و"اللاإنساني" إلا في حالات الطوارئ والحالات الاستثنائية.
هذا، فإذا كان قانون الوظيفة العمومية قد حدد ساعات العمل، خلال الأسبوع. فهل سيتقاضى الموظفون الأمنيون بالجديدة بتعويضات عن الساعات الإضافية المفروضة عليهم، والتي يجدون بسببها أنفسهم محرومين من وضعيتهم الأسرية والاجتماعية، ومجردين من حياتهم الخاصة، ومن "إنسانيتهم" ؟!
قد تكون التعويضات التي نتحدث عنها من المستحيلات، إذا ما استحضرنا عجز أمن الجديدة عن أن يوفر لموظفيه أبسط التجهيزات وشروط وظروف العمل. حيث إن العديد منهم لما التحقوا بمكاتبهم بمقر أمن الجديدة الجديد، كانوا مضطرين للإتيان بحواسبهم وطابعاتهم الخاصة. كما أنهم يقتنون من جيوبهم ومالهم الخاص الذي يعيلون به أسرهم، الأقلام والأوراق التي يحررون عليها محاضر الاستماع وإجراءات الضابطة القضائية. شأنهم في ذلك شأن زملائهم في المصالح الأمنية الخارجية (الدوائر). فأين تذهب إذن التجهيزات التي تخصصها مديرية التجهيز والميزانية ؟
هذا ما ينبغي أن توفد المديرية العامة للأمن الوطني من أجله، لجنة تفتيش مركزية، في إطار تنزيل استراتيجيته المديرية الجديدة، المتمثلة في إرساء دعائم قوية للتخليق والنزاهة في صفوف جهاز الأمن الوطني، وتوطيد آليات الحكامة الأمنية الجيدة، في شقها المتعلق بترشيد النفقات، والتدبير المعقلن للموارد المادية واللوجيتسيكية.
وبالمناسبة، هل استشار رئيس الأمن الإقليمي بالجديدة، قبل اعتماد نظام العمل المسترسل بالدوائر الأمنية، ونظام "الضوبلاج"، مع المصالح المركزية للأمن الوطني، ومع عامل إقليم الجديدة، خلال الاجتماعات الأمنية القبلية، التي جرى عقدها في مكاتب ممثل الحكومة بالإقليم، المسؤول الترابي الإقليمي الأول، والسلطة الإقليمية الأولى، ورئيس المصالح الإدارية الإقليمية، والمسؤول الأمني الإقليمي الأول، والذي يحظى باختصاصاته وصلاحيات دستورية وقانونية موسعة .. وهل أطلعه على الإكراهات وظروف العمل القاسية (...) ؟!!!