أعمدة الرأي

قراءة في نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية بالمغرب لسنة 2015

Tuesday 08 September 2015 09:30 2,414 مشاهدة 0 تعليق
قراءة في نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية بالمغرب لسنة 2015

مرت الانتخابات الجماعية والجهوية للرابع من شتنبر لسنة 2015، فكان ما كان، حيث لعبة الأرقام تناسلت  لتكشف عن الرابحين والخاسرين ، حيث تصدر حزبين المشهد السياسي المغربي، فحزب العدالة والتنمية استطاع تبوأ الرتبة الأولى من عدد المقاعد المخصصة للمجالس الجهوية، في حين تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من احتلال المقدمة في الانتخابات الجماعية.

 

على الرغم من تحفظ المحللين على نسبة المشاركة التي فاقت 50 في المئة، لكونها لا تستند على معيار عدد السكان الحاملين للبطاقة الوطنية الذين يحق لهم التصويت، بل تكتفي فقط بمعيار عدد الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية، إلا أن ظروف إجراءها عموما ،اتسمت بأجواء سلمية وهادئة، اللهم بعض المشاكل والمناوشات التي تظل محدودة ومعزولة.

يبدو أن السياق الدولي والإقليمي الحالي، يدفع في اتجاه مساندة المغرب في انجاح محطاته الانتخابية، نظرا للرغبة في تسويق نموذجه السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا الذي يعيش مآسي وحروب مكلفة، دفعت جحافل من المهاجرين لغزو أوروبا للاحتماء من ويلات القتل والتقتيل، وبالتالي فالوعي صار أكثر تعاظما على أن استقرار المغرب هو من استقرار القارة العجوز لكونه بوابة أفريقيا نحو أوروبا، وكذا حائط الصد للمهاجرين نحوها، لذلك سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التصريح بخصوص الانتخابات الجهوية والجماعية على أنها خطوة إلى الأمام، وهو تصريح يحمل دلالات كبيرة، حيث ينطوي في عمقه إلى عدم قلقها وتخوفها الكبير من نتائج هذه الانتخابات،حيثكان فيها حزب العدالة والتنمية  ذو التوجه الإسلامي أكبر رابح، لأنها خَبِرَته من خلال توجهاته في ظل الحكومة الحالية، وهي توجهات ذات منطق براغماتي نفعي صرف شبيه بحزب العدالة والتنمية التركي الذي لا يجد حرجا في ربط علاقات مع إسرائيلوكذا نقيضها مع العربية السعودية.

إن المتأمل بعمق لنتائج هذه الانتخابات، يدرك أن حزب العدالة والتنمية استطاع اكتساح المدن الكبرى والحواضر، وكذا الجهات الغنية التي لها ثقل اقتصادي وازن، كجهات الدار البيضاء، الرباط، القنيطرة، فاس، أكادير، مراكش... ( المغرب النافع) الأمر الذي أفسد فرحة خصمه اللدود حزب الأصالة والمعاصرة رغم تربعه للصدارة، إلا أنه حزب ضمن تواجده الكبير بالأخص في القرى والبوادي والمناطق والجهات المهمشة التي تعاني من خصاص مهول في البنيات التحتية التي يصعب تنميتها وتدارك التأخير الحاصل فيها على مستوى المنظور القريب.

من جهة أخرى،فربح رهان المدن والحواضر هو إشارة إلى انتصار سياسي لحزب العدالة والتنمية، لكون طبيعة التصويت بها يحمل طابعا حزبيا سياسيا ، أكثر من البوادي والقرى التي يغلب عليها طابع التصويت للشخص بحمولات قبلية ولائية وليس بدافع قناعات حزبية.

يمكنالقول، أن هناك بداية لتحول في السلوك الانتخابي للمواطن، حيث بدأ الوعي يتزايد على كون الفوز بالانتخابات لا يمكن اختزاله في الفوز بأكبر عدد المقاعد وطنيا، بل يستلزم التوفر على أغلبية المقاعد على مستوى المجالس الجماعية والجهوية لضمان ممارسة التسيير بكل حرية، حيث يصعب على المواطن تصور مثلا عمدة لمدينة من حجم البيضاء كمحمد ساجد ظل جاثما في منصبه لمدة تقارب 12 سنة، على الرغم من انتمائه لحزب لا يتوفر على أغلبية كبيرة في المجلس ولا يعبر صراحة عن الانتماء السياسي لغالبية البيضاويين، وبالتالي فالفوز في الانتخابات يظل منقوصا مالم يستلزم التوفر على أغلبية المقاعد.

لقد ضاق المواطن ذرعا من التبريرات المقدمة من الفاعلين السياسيين، الذين يتحججون كل مرة على كونهم جزء من التحالفات، وبالتالي فهم يواجهون صعوبات جمة في تنزيل برامجهم الانتخابية، نظرا لكثرة الأحزاب التي تعيق تشكيل تصور متجانس وموحد لتدبير الشأن المحلي والجهوي.

على ضوء ذلك، يفهم من تصويت نسبة كبيرة من المصوتين على حزب العدالة والتنمية في المدن، بغية منحه الفرصة في تدبير الجماعات والجهات، بأغلبية أقرب إلى المريحة، مادام الحزب أبان عن مؤشرات في قدرته على اتخاذ قرارات شجاعة في تجربته الحكومية.

يذهب الكثير من الملاحظين، على أن سر منح المواطنين ثقتهم في حزب العدالة والتنمية، يتمثل في تَلَمُّسِهم لنظافة يد مناضليهم، مع عدم تورطهم في قضايا فساد إلا في حالات نادرة جدا، على عكس باقي الأحزاب السياسية الأخرى، فضلا عن قدرة عبد الله بن كيران عن مصارحة المواطنين علانية في أكثر من مناسبة على أنه لا يملك مقاليد الحكم كاملة، بل هو مجرد مساعد للقصر في الحكم، وكأنه يوحي بأن حزبه لم يبلغ من القوة الكافية ولا التوفر على السند الشعبي اللازم الذي يمكنه من فرض تصوراته، حتى أن حكومته كانت على شفا السقوط عندما انسحب حزب الاستقلال من ائتلافه الحكومي.

أجل لقد بلغ فساد النخب السياسية المتعاقبة، إلى درجة أن المواطنين أصبحوا يتمنون نخبا سياسية تتوفر فيها شروط النزاهة حتى ولو كان ذلك على حساب الكفاءة، حيث هنا تطرح مسألة تدبيرية أساسية، هل سيكون بمقدور النخب السياسية الحالية النجاح في التدبير والتسيير المحلي والجهوي.

إن واقع الحال، يفيد بأن طبيعة النخب السياسية المنتخبة لا زالت تتشكل في غالبيتها من الأساتذة والمحامين والأطباء والمواطنين العاديين، الذين لا علاقة لهم بتدبير المجالس الجماعية والجهوية، التي تفترض إلماما بالجوانب القانونية  وبتدبير الميزانية والصفقات، والقدرة على جلبأفكار جديدة، حيث تلجأ هذه النخب السياسية لتغطية ضعفها إلى مكاتب الاستشارة الوطنية والدولية للقيام مقامها بدراسة تلك الجوانب مما يثقل كاهل ميزانية الدولة من جديد.

إن هيمنة حزب العدالة والتنمية على تسيير المجالس الجهوية للمدن الكبرى في الانتخابات الأخيرة، قد يشكل مخاطر على تجربة هذا الحزب، نظرا لدخول المغرب في نظام الجهوية الموسعة، وقد يؤدي تعثر هذه التجربة  إلى إلصاق ذلك بسياسة الحزب، خصوصا أنه تم نقل صلاحيات مهمة للجهات، لكن ذلك يستلزم التوفر على أطر نوعية مكونة تكوينا عاليا وذات تجربة وحنكة سياسية كبيرة، وهو أمر غير متوفر حاليا، كما أنه ما زال هناك غموض في كيفية تعامل أجهزة الدولة من ولاة وعمال مع الأجهزة الجهوية الجديدة المنتخبة، خصوصا وأنها كانت هي الماسكة بزمام الأمور فيما سبق، وبالتالي هل سنلحظ أن هناك انسجام بينهما؟ ومن سيكون تابعا للآخر؟وإلى أي مدى ستستمر وصاية الدولة على المجالس المنتخبة؟

من جهة أخرى، تلقى حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي ضربة موجعة، الأول بفقدان قلاعه التقليدية وخصوصا مدينة فاس، وبتراجع نتائجه في المدن الكبرى، نتيجة لسلوك أمينه العام السياسي، الذي يبتعد عن مواصفات الرزانة والحكمة السياسية المفروضة في رجل السياسة من جهة، أما من جهة أخرى فتجربته السابقة في تحمل المسؤولية ابانت عن مساهمته الأساسية في تأزيم الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالبلاد،أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية  فإنه يعرف اندحارا كبيرا من انتخابات لأخرى نظرا للانشقاقات المتتالية بين صفوفه.

في حين لم تعرف تجربة دخول فيدرالية اليسار الموحد للانتخابات الأخيرة نتائج مشجعة، نظرا لكون تلك الأحزاب اليسارية مازالت مترسخة في ذهنية المواطن في صورة أحزاب، انشقت من رحم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي تنازل عن مبادئه وخطه النضالي في مقابل تحقيق طموحات شخصية والتقرب من السلطة، وبالتالي فالمواطن يضعهم في سلة واحدة.

على الرغم من التنافس والصراع بين الأحزاب السياسية، وحروب التراشق والتصريحاتبين الزعماء، فإن منطق التحالفات بالنسبة للمجالس المنتخبة تحكمه حسابات المصلحة المرتبطة بطبيعة التحديات والرهانات المحلية، لذلك لا نفاجئ إذا ما تمت تحالفات بين منتخبين من أحزاب الأغلبية الحكومية مع منتخبين من أحزاب المعارضة، حتى أنه في بعض الأحيان تكون هذه التحالفات لا تتوافق بتاتا مع توجيهات الأحزاب، التي تخضع وتستسلم لهذا المنطق مخافة الدخول في صراع مع منتخبيها، قد يصل إلى درجة التمرد على الحزب.

على هذا الأساس، يدخل المواطن دوامة من الحيرة، فيجد نفسه أمام سيناريوهات مستعصية على الفهم، فهو يصوت على حزب معين تفاديا أو عقابا لحزب أو أحزاب أخرى، لكنه يكتشف أن الحزب الذي صوت عليه يتحالف مع أحزاب أخرى لتشكيل المجالس، تتناقض فيما بينها من حيث الهوية والتوجهات والقناعات.

بقلم محسن زردان

كاتب وباحث

مشاركة:

مقالات ذات صلة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!