من الطبيعي، حسب مهتمين بالشأن المحلّي بمدينة الجديدة، أن يعيش القطاع السياحي، بين الفينة والأخرى، ركوداً مؤقّتا وموسميا، يستعيد عافيته خلال العطل المدرسية، والمناسبات الوطنية والدولية، قبل أن يبلغ رواجه مستويات عالية خلال الفترات الصيفية من كلّ سنة؛ غير أن ما عرفته المواقع السياحية بالمدينة في السنوات القليلة الماضية أربك حسابات العاملين في القطاع، وخالف كل التوقعات.
الحي البرتغالي الذي يُعتبر أهمّ المعالم السياحية بمدينة الجديدة، ويستأثر باهتمام السياح القادمين من مختلف الدول الأجنبية، ويجذب عددا كبيرا من المغاربة من جميع المناطق والمدن، يعيش في الآونة الأخيرة، بداية السنة الجارية، وبشهادة أبناء المنطقة، حالة استثنائية ومقلقة، إذ إن المسقاة البرتغالية خاوية على عروشها، والممرات المؤدية إلى القلعة خالية، وأصحاب المحلات التجارية ينتظرون المجهول.
وفي جولة بالمسقاة البرتغالية التي يقصدها أغلب زوار الحي البرتغالي، بدا جليّا أن عملية بيع تذاكر الولوج إلى المعلمة السياحية تعيش أسوء حالاتها، إذ لا يقبل عليها إلا سيّاحٌ مغاربة وأجانب يُعدّون على رؤوس الأصابع، ما يجعل مداخيل المرفق جدّ متواضعة مقارنة مع ما رصدته الجريدة في فترات سابقة، حين كان الولوج إلى المسقاة يتطلب الوقوف في طوابير للحصول على تذكرة بعشرة دراهم، للاستفادة من التوضيحات المقدّمة من طرف المرشدين السياحيين، وباقي العاملين بالمعلمة التاريخية نفسها.
وغير بعيد عن المسقاة البرتغالية، وتحديدا عند القلعة التي استأثرت باهتمام السياح منذ مئات السنين، فلا مجال للحديث عن الزوار المهتمين بالتراث والتاريخ، إذ حلّ محلّهم الباحثون عن السكينة والتواري عن الأنظار، والعشاق ومحبّو الرّومانسية، الذين يستغلّون خلو القلعة لاقتسام لحظات عشق قرب المدافع التي لم تعد تثير الاهتمام، ما يدفع بعض العائلات إلى تجنّب المبالغة في اكتشاف الأرجاء، مفضلة التضحية بمتعة مشاهدة الميناء من أعلى القلعة.
ونتيجة للانتكاسة السياحية التي تعيشها القلعة البرتغالية، أقدم حُماتها على إغلاق بعض مرافقها بأقفال حديدية لمنع المتسكعين من ولوجها، غير أن بعض جنباتها تحوّلت في غفلة من الجميع إلى فضاءات للسّكر وتناول المخدرات؛ ما جعلها، وخاصّة الطابق السفلي، شبيهة بمطارح النفايات، ما أصبح يثير استياء الزوار القلائل للمعلمة التاريخية.
وأكّد الشريف عبد الرزاق، رئيس جمعية "بازارات الحي البرتغالي" بالجديدة، أن التجارة بالمنطقة تعيش انتكاسة كبيرة تزداد سوءا سنة بعد أخرى، عجز معها أغلب التجار عن تسديد واجبات الكراء والماء والكهرباء، والديون وباقي مستلزمات الحياة، عازيا ذلك إلى الأزمة الاقتصادية، وتداعيات الإرهاب، وضعف القدرة الشرائية للمغاربة، وإقدام من أسماهم "لوبي حافلات السياح" على ممارسات تجعل الراغبين في اقتناع التذكارات يقصدون محلات خارج الحي البرتغالي.
المتحدث ذاته، الذي قضى أزيد من 30 سنة في الميدان، أوضح أنه رغم توافد بعض الزوار على الحي البرتغالي، إلا أن الرواج التجاري شبه متوقّف، مضيفا: "حتى فاتح السنة الميلادية الذي كنا نبيع فيه معروضاتنا عرف ركودا شبه تام هذه السنة، ولم أحصل خلال خمسة أيام متتالية ولو على سنتيم واحد"، مشدّدا على أن العاملين في القطاع أصبحوا يضطرّون إلى بيع السلع بأقل من ثمن شرائها من الصناع التقليديين، بهدف ضمان دخلٍ يعيلون به أسرهم التي لا تقبل المبررات.
هسبريس