تنقصه في العديد من
المناسبات المزامنة بين ما يفكر فيه و بين لسانه،و قد يحدث أن يستعير لغة لا تعبر
بالمرة عن ما يجثم في فكره ،خاصة في لحظات مباغتته أو مداهمته للتعبير عن رأيه أو
وجهة نظره،قد يتيه في غابة من الكلمات والعبارات التي غالبا لا تصيب غايتها و مدلولها
...لهذا السبب لا يجده متميزا في الكلام و التواصل البلاغي،بقدر ما يجد نفسه وحشا
كاسرا في معترك الكتابة و مداعبة الورق ،يرجع سبب ذلك إلى متاريس الخجل التي تشد
عضلاته الفموية و تكبحه إلى حد الإخراس،و إلى سعيه المثالي إلى لفظ أنفاس لفظية لا
تشوبها شائبة و لا يكتنفها تناقض...ربما ذلك راجع إلى تنشئته داخل أسرة أبوية
محافظة،يستبد فيها الأب بالكلام و لا يترك فيها المجال للتعبير و إبداء الرأي و
أخذ المبادرة....ربما هو تواضع مبالغ فيه أو حالة نفسية تستدعي الدراسة و التمحيص...
على أي،في الكتابة يطير و يحلق ،إذ يكفي أن يلتقط خيطا ناظما
للنول بيراعه ملء أنامله حتى يتجلى بفكرته و يحيلها من عالم القوة إلى عالم
الفعل،من المجرد إلى الملموس...صار يحب هذه النعمة التي ما كانت أن ترى النور لولا
نقمة إحساسه بعثرة اللسان،على حد رأيه،رأي و إن ليس موضوعيا،عيب يراه هو فقط ،يعشق
جلد ذاته من فرط تواضعه و أناته و عدم حبه امتهان هواية الظهور من أجل
الظهور اعتمادا على سلاطة لسان أو نصاعة جبهة في مقدمة رأس خاوية على عروشها
...
نعم إحساس يدفعه إلى إرضاء شغفه الداخلي من خلال إحالة فكره من
سجل الذات إلى سجل جامد بكلماته، يبث الحياة في سطور فاترة،يفتض بكارة بياض ناصع
يوحي بضباب لا منته،يخط كلمات و عبارات بحبر دواته،باتساق، كما ينحت النحات
،بإزميله، حجرا هلاميا لا شكل له،لا يرضخ لقهر الجماعة و طأطأة رؤوسها،ولا يأبه
لاقتناص الكاميرات البيولوجية، و لمسحها البصري اللاذع الذي يتصيد الوقوع في
الزلات اللسانية،كما لا يبالي لإيماءات السحنات و لتفاصيل الحركات و السكنات...لا
يهوى السكون الخادع الموتر للأعصاب و المنطوي على التخزين وإطلاق الأحكام الغير
مبنية على المصداقية و مراعاة الوضع الراهن في مواجهة الحشد...يهوى بالمقابل سكونا
يختار له حيزا زمنيا و مكانيا حيث لا تستلبه سلطة الخطابة و المواجهة ،حيث لا
نظرات و لا تأوهات،يوثق للحظات و لتفاصيل دقيقة جدا ،لا يخونه ساعتها قلم قد من
خشب غريب عنه و لا ينتمي إليه،قدر ما يخونه لسانه من دم و لحم ينتمي
إليه....