طغت خلال السنوات الأربعة الأخيرة ظاهرة غريبة على الوسط الجامعي وجديرة بإثارة
الانتباه تتمثل أساسا في اللجوء إلى القضاء أو التهديد والتلويح بذلك من طرف بعض المسؤولين
بجامعة شعيب الدكالي لحسم "خلافاتهم"
مع بعض الأساتذة أو ربما لتقزيم وفرملة بعض الأقلام التي تتطرق لبعض المشاكل
بهذه الجامعة والمؤسسات التابعة لها.
نؤكد منذ البداية أننا لا ولن ننازع أحدا في حقه المكفول قانونيا في اللجوء
إلى القضاء إذا تعرض للإهانة أو التشهير أو القذف أو السب وغير ذلك من المعاملات المهينة
والحاطة بالكرامة بصفته الشخصية والذاتية. ما يهمنا في هذا المقام، بالدرجة الأولى،
هو معالجة هذه الظاهرة و إلقاء الضوء عليها من زاوية نقدية وتبيان الأسباب التي جعلتها
تطغى بشكل غريب لدرجة أضـحت حديث الساعة لدى الرأي العام المحلي ولدى المتتبعين للشأن
الجامعي وكذا لدى بعض النخب كرجال القانون وغيرهم.
كيف يصبح الاحتكام إلى القضاء حلا لدى المسؤولين بالجامعة والنخبة الجامعية
عموما، التي من المفروض فيها أن تعطي المثال في حل المشاكل الداخلية داخل الهيئات التقريرية
المنتخبة، و تتولى هذه الأخيرة القيام بدورها كاملا غير منقوص.
الأكيد أن الصلاحيات التقريرية الواسعة التي منحها القانون 01 00 المنظم للتعليم
العالي للهيئات الجامعية تجعل منها كفيلة بحل كافة الخلافات الطارئة بالوسط الجامعي
شريطة أن تتمكن هذه الهيئات المذكورة من استيعاب واستبطان جميع التوجهات و الآراء بدون
إقصاء وبدون محاباة لأحد. وإن انتهت هذه "الخلافات" ، في معظم الأحيان، بإبرام
الصلح والقيام ببعض المساعي الحميدة والتنازل عن الدعوى تارة أو الاكتفاء بالتلويح
والتهديد بإمكانية اللجوء إلى القضاء تارة أخرى، فمن الضروري قراءة هذه الظاهرة الجديدة
نسبيا على الوسط الجامعي الذي اقتحمته اقتحاما وفرضت نفسها فرضا.
الأكيد أن جميع الجامعات المغربية تعرف انتقادات موجهة للمسؤولين ولطرق التسيير
والتدبير لكن قلما تصل الأمور لحد تدخل القضاء لحسم الخلافات الداخلية والبينية بين
الأطراف الجامعية. لذا نعتقد أن ذلك مؤشر جلي على ضيق النفوس وعدم تقبلها للانتقاد
و كذلك عدم استطاعة الهيئات التمثيلية والتقريرية من لعب دورها كاملا واستيعاب الاختلافات التي تتحول سريعا لخلافات وكذلك
عدم التمكن من لجم كل النزاعات في إطارها الجنيني داخل الحرم الجامعي وقبل أن تتطور
وتطفو على السطح وتخرج للإعلام وللفضاءات الخارج/جامعية بصفة عامة.
فاضطرار العديد من الأقلام لاستعمال بعض المجلات اللالكترونية واللجوء/الاحتماء
بالفضاء الرقمي وربما نسميها "الهجرة" خارج أسوار الحرم الجامعي للتعبير
عن مشاكل الجامعة هي معادلة يجب وضعها في إطارها الصحيح لفهمها. فالهيئات الجامعية
لا تختزل في التأنيب والتأديب والمصادقة على
القرارات والميزانيات وإفراز النصوص التنظيمية الداخلية بل يجب أن تحتوي وتستبطن كافة
الفعاليات مهما كان تنوعها ومهما كانت التناقضات التي تختزنها يجب أن تحولها لطاقة
فعالة لصالح الجامعة في نوع من الخيمياء الخلاقة
(l’Alchimie créative). أما اللجوء للقضاء كفزاعة أو كسيف داموقليس مسلط
و مرفوع فوق الرؤوس فليس حلا ولن يكون كذلك وإلا فما الفارق بين العامة الذين يضرب
بهم المثل باستعمال القضاء واللجوء إليه بسبب وبدونه لحل مشاكلهم مهما كانت تافهة وبين
النخب التي من المفروض أن تحل مشاكلها داخل هيئات شرعها لها المشرع بإحكام وبدقة متناهيتين.
وبالتأكيد أن لجوء المسؤول الجامعي
إلى القضاء كسلطة خارج الجامعة، وإن كان حقا يكفله القانون للأشخاص والمؤسسات كما أسلفنا
ذكره، يحمل بين طياته وفي داواخله إعلان فشل الهيئات الجامعية في تحقيق نوع من التعايش
والتساكن بين كل الأطراف والمكونات.
ويحق لنا أن نتساءل إن لم يكن هذا اللجوء إلى القضاء أو التلويح بذلك في بعض
الأحيان كنوع من تردي المنظومة الجامعية في ميدان التسيير والتدبير و استبعادها للحوار
الديمقراطي والقبول بالاختلاف وسعة الصدر و تقبل الآخر مهما كان شأنه. فحتى التنافس
المشروع أصلا بين الجامعيين في جميع الميادين يجب أن يتم في شفافية تامة بناء على مبادئ
الاستحقاق ومنطق التناوب على المسؤوليات وبعيدا عن التشنج والعصبية والتحالفات الظرفية
للأطراف والجماعات ضد بعضها البعض.
في الأخير نتمنى صادقين أن يحل الجامعيون مشاكلهم داخل الهيئات الداخلية المخولة
لها قانونيا هذا الأمر كمجلس الجامعة ومجالس المؤسسات والمجالس العلمية والمجالس التأديبية
المنبثقة عنها لأن عكس ذلك يتطلب الأمر إيجاد قضاء خاص، " قضاء جامعي" كما
يوجد قضاء إداري وقضاء تجاري وقضاء أسري... وإن كان هذا التعبير "القضاء الجامعي"
هو فقط نوع من السخرية السوداء
(l’humour noir) لتوصيف واقع مر، لكن نتمنى أن لا تصل الأمور لهذا
الحد لأنه الفشل الذريع بعينه. و لا يسعنا في الختام سوى أن نعبر عن احترامنا وتقديرنا
للقضاء بنسائه ورجاله وجميع الساهرين على تطبيق القانون بهذه البلاد.
جامعيون بجامعة شعيب الدكالي
الجديدة في: 22/03/2016.
